لو قلت لك اليوم هو عيد ميلادي، ستبادر بالتباريك والتهاني، وربما تكتب لي جملة محفوظة بعناية: “سنة سعيدة مليئة بالفرح والإنجازات.” كلمات جميلة في ظاهرها، خاوية في باطنها، كأنها تُقال لإراحة الضمير لا لصدق الشعور. ولو أنني قلت لك: اليوم عيد الفطر! لرمقتني بنظرة استغراب. فالعيد ليس اليوم، والعالم لم يُجمع بعد على هلاله. لكن العجيب أن العالم كله اتفق على أن لحظة مرور الأرض حول الشمس تستحق احتفالًا شخصيًا بكل ما فيه من مبالغة وادّعاء.
سيقول لي البعض: تتحدثين عن حرمة أعياد الميلاد لكنك تسمعين الأغاني، أليست حرامًا أيضًا؟ أنا لا أحاججك شرعًا، ولا أزعم لنفسي مقام الواعظ. لست هنا لأصدر حكمًا فقهيًا، بل لأمارس حقي في التساؤل. أنا فقط أنتقد الفكرة — هذا التعلق الغريب بيومٍ لا نملك فيه شيئًا من الاختيار. افهمني أو لا تفهمني، صدقني، لا يهم.
لكنني لن أكذب، كنت أبارك للناس مجاملةً، وربما شاركت في احتفال ميلادي ذات مرة، لا لفرحٍ حقيقي بل بدافع التجربة. كان الأمر أشبه بمشهد تمثيلي مملّ: كعكة منمقة، شموع تتراقص، أضواء تلسع العين، وأغانٍ رتيبة تعلن أنني “كبرت عامًا”، ونشرت الصور على تطبيق instagram. لكن كبرت في ماذا بالضبط؟؟ ماهي المسافة بيني الآن وبين نفسي البارحة؟ ما هذا الهاجس تجاه هذا الطقس الطفولي الذي يكرر نفسه بلا معنى؟
ما الذي يجعل الإنسان يحتفل بيوم ولادته؟ أهو احتفاء بالحياة؟ أم إنكارٌ خفي لحقيقة اقترابه من الموت؟ في العمق، يبدو الأمر أقرب لمحاولةٍ لتجميل عبور الزمن، لتزيين الخسارة بالألوان. ربما نحن لا نحتفل بمرور سنة جديدة، بل نحاول خداع أنفسنا بأننا لم نفقد سنة أخرى.
أضن أن الإنسان مخلوق يحب العدّ، يحب أن يحصي أنفاسه حتى لا يضيع في الفوضى. وأظن أن أعياد الميلاد هي امتداد لهذا الهوس، محاولة لتثبيت ذواتنا أمام الزمن حتى لا نذوب فيه. نُشعل الشموع لا لنضيء طريقًا قادمًا، بل لنرى كم اقتربنا من النهاية.
أليست من السذاجة أن يحصي الإنسان أسماء المدعوين إلى احتفاله كما لو كان يرتّب طقسًا مقدّسًا؟ أن يجلس ليلةً كاملة يكتب قائمة بأسماء مختارة بعناية، ويحدّد نوع الكعكة، وألوان الزينة، بل وحتى ما سيرتديه الضيوف؟ ثم ينتظر منهم ـ بكل حماسة طفلٍ لا يزال يصدّق القصص ـ أن يقدّموا له الهدايا. أي عبث هذا؟ أترى إلى أي حد بلغنا من تصنّعٍ يجعلنا نتحكم في تفاصيل الفرح حتى لا يبدو ناقصًا؟ كأننا نخشى أن يُقال إن عيد ميلادنا -ويا للهول- لم يكن “جميلاً بما يكفي”.
أرجوك، فكّر فيها بصدق. ما الذي يدفع إنسانًا بالغًا إلى هندسة يومٍ وُجد أصلًا بغير إرادته؟ أكرر أنا لا أدّعي الحنكة ولا أضع نفسي في موضع الواعظ، كل ما أريده هو الفهم. لماذا نفعل ذلك؟ لماذا نُصرّ على صناعة لحظةٍ مزيفة من البهجة، بينما يمكننا ببساطة أن نعترف أن مرور سنةٍ ليس نصرًا ولا خسارة، بل حدثًا عابرًا ككل ما يعبر؟
بل حتى هناك نوع آخر من العبثية، أولئك الذين يصنفونك بناءً على شهر ميلادك. يقولون إنك إن وُلدت في فبراير فأنت غامض، وإن جئت في أغسطس فأنت قيادي، وإن كنت من مواليد نوفمبر فاحذروا منه، فهو حادّ وبارد! وكأن وعي الإنسان العظيم، بكل ما فيه من تناقضات وتجارب وآلام، يمكن اختزاله في تقويم. هؤلاء الناس يُسلمون عقولهم لنجمةٍ على ورق، ويتركون فهم ذواتهم للصدفة. هل حقًا يظنون أن لحظة خروجنا إلى العالم تحت شمس معينة أو قمر مكتمل تمنحنا طبعًا لا فكاك منه؟ إنه إلغاء كامل لفكرة الإرادة، إنكارٌ بليد لأننا كائنات تتشكل بالاختيار، لا بتاريخ ميلادنا. ومن العجيب أن من يؤمن بهذه الخرافات هو نفسه من يرفع شعار “اعرف نفسك”، بينما لم يحاول يومًا أن يعرف نفسه خارج برجٍ أو خريطة فلكية.
ربما لهذا أرى في أعياد الميلاد شيئًا من السذاجة — سذاجةٍ محببة أحيانًا، لكنها تظل سذاجة. لأننا نحاول إقناع أنفسنا بأننا نحتفل بالحياة، بينما ما نحتفل به في الحقيقة هو نجاتنا المؤقتة منها. ليس في الأمر تشاؤم، بل وضوح. أن تفهم أن مرور عام لا يجعلك أكثر استحقاقًا للحب أو الأمنيات، بل يجعلك أكثر وعيًا بعبورك الهادئ بين الأشياء.
فربما تكون أجمل هدية في عيد ميلادك القادم — إن أصررت على الاحتفال — أن تجلس وحدك، في هدوء، دون كعكة ولا شموع، وتنظر للسماء، وتحصي عدد النِعم التي ما زال الله يعطيك إياها وأنت ربما تكون غافلًا عنها، فأنت قد نجوت عامًا آخر، وصدقني هذا وحده يكفي لا داعي للمبالغات.


تتجمّعُ حولي وجوهٌ لا أعرفُ كيف أقرأها، مُبتسمةٌ كَـواجب، و فارغةٌ كَـحقيقة
يُرتّبونَ الشّموعَ فوقَ كعكةٍ مُبالغٍ في حلاوتِها، كَـأنّهم يُحاولونَ إخفاءَ مرارةِ الحقيقةِ التي يَهربونَ منها.. حقيقةُ أنَّ كلَّ شمعةٍ هي عامٌ احترق، و أنَّ كلَّ احتفالٍ هو خطوةٌ أقربُ إلى الصَّمتِ الأخير
أرى القطيعَ حولي يَتهامسون، يَبتسمونَ بِـبلاهةٍ لا تَليقُ إلّا بِـالأطفالِ أو المَعتوهين، يُطفئونَ الشُّموعَ و يَتمنّونَ أمنياتٍ سَخيفة، ثمَّ يُصفّقونَ بِـحرارةٍ لِـعامٍ آخرَ من الغَباءِ قد انقضى يُصفّقونَ لِـعامٍ آخرَ من الرَّكضِ في حَلقةٍ مُفرغة و لِـعامٍ آخرَ من الخَيباتِ المُؤجّلةِ والأحلامِ المَوءودة
يُصفّقونَ لِـأنَّهم نَجحوا في البَقاءِ على قَيدِ الحياة، و كأنَّ البَقاءَ في هذا العالمِ المَوبوءِ إنجازٌ يُحتفى بهِ، لا عُقوبةٌ نُمضيها على مَضَض
إنَّهم يحتفلون
يحتفلونَ بِـماذا بالضّبط ؟ بِـأنَّ قلوبَهم لا تزالُ تنبض ؟ حتّى ساعةُ الحائطِ تنبض إلى أن تنفدَ بطاريتُها، هل يحتفلونَ بِـأنَّهم نجوا عامًا آخر ؟ النّجاةُ ليست نصرًا بل هي تأجيلٌ للهزيمةِ فحسب
يَحتفلونَ بِـمُرورِ الزَّمن، والزَّمنُ لا يَمُرّ بل يَنهش، هو وحشٌ خَفيٌّ يَقتاتُ من لُحومِ أيَّامِنا يَسرقُ وَهجَ أعيُنِنا و يَترُكُنا هياكلَ باليةً تَنتظرُ أن يَبتلعَها الفَناء
و هُم في غَمرةِ غَفلتِهم يَرقصونَ على أنغامِ نِهايتِهم
إنَّ احتفالَهم هذا يُشبهُ فرحةَ سجينٍ بَقيَ لهُ يومٌ إضافيٌّ في زنزانتهِ قبلَ تنفيذِ الحُكم، إنَّهُ نشازٌ يُثيرُ الشَّفقة
يقولونَ لي: "كبرتِ"
لكنَّني لا أشعرُ بِـأنَّني أكبر، بل بِـأنَّني أخِفّ .. كَـكتابٍ تُنتَزَعُ منهُ الصَّفحاتُ تباعًا فيزدادُ خِفَّةً و يقتربُ من نهايتهِ الفارغة، هذا ليس نموًّا، هذا تلاشٍ
يُقدّمون الهدايا، كَـأنَّهم يُقدّمون رشوةً صامتةً للزّمن و.. لي يُغلّفونَها بِـعناية، كما تُغلَّفُ الأدويةُ المُرَّةُ بِـغلافٍ سكّريّ، يُريدونَ أن يُقنعوني و يُقنعوا أنفسَهم أنَّ في الأمرِ بهجة
لكنَّني أرى ما خلفَ الورقِ البرّاق أرى الخوف، الخوفُ من الفراغ و الخوفُ من أن يكونَ كلُّ هذا بلا معنى
لِـذا لا أُريدُ هداياهم و لا أبتغي أمنياتِهم
أُريدُ فقط لحظةَ صِدقٍ واحدة لحظةَ صمتٍ نَتأمَّلُ فيها حجمَ الخسارة، أن يَنظرَ أحدُهم في عَينيَّ و يقول: "أُعزِّيكِ في عامٍ آخرَ رحلَ عنكِ دونَ عودة"
تلكَ ستكونُ التَّهنئةَ الوحيدةَ التي سأقبلُها
أمَّا الباقي فليسَ إلّا ضجيجَ غُربانٍ تَرقصُ فوقَ جِيَفِ أيَّامِها.
-شَـهـد.
كتبته قبل أيّام و بحس رؤيتي لحدا بيتشاطر نوعًا ما نفس الرّأي شي حلو.💛
شخصيا لا احب الاحتفالات الصاخبة لاعياد الميلاد لكن تهنئة شخص عزيز على قلبي بعيد ميلاده احس كانني احمد الله على وجوده معي في هذه الحياة واشعره باهميته لدي، رغم انني يمكن ان اقوم بهذا في أيام أخرى إلا أنني أنسى، فتكون تهنئتي له بعيد ميلاده دليل على اهتمامي به ، أما اقضية لاحتفالات والمجاملات أنا ايضا لا أحبذها ، فكل عيد ميلاد لي أشكر الله وأحمده على نعمه علي وأكثر من الدعاء ❤️