لو كنت في قاعة مزاد، سأقف، أدفع مقعدي للخلف قليلًا، أتحرك بخطوات ثابتة، كل خطوة تُحدث صدىً خافتًا بين الجدران العالية، أشعر بثقل الهواء وكأن كل شيء في هذه القاعة يراقبني. أصعد الدرجات المغطاة بسجادة حمراء، أطل على المقاعد المصفوفة، ارفع نظارتي لأرى وجوهًا مجهولة، صامتة، ربما لا تعرف سوى أن تُشاهد وتقدر، أو ربما لا تعرف شيئًا على الإطلاق.
أقف خلف المنبر، أفتح زاد المزاد، وأبدأ بأول لوحة… حياتي.
سأبدأ إعلاني على الفور، دون أن أسمح للفضول أن يفترس الحضور:
أيها الغريب،
ربما أنت من زمن لم أعهده، أو من حلمٍ طويل أرفض أن أستيقظ منه. لا أعرف إن كنت ستسمع كلماتي بآذانٍ تصدقها، أم بمرآة تعكس لك ظلّي كما كنت، كما أريد أن أكون، أو كما لم أستطع أن أكون أبدًا. ربما ستجدها غريبة، وربما تتجاهلها تمامًا كما يتجاهل الناس أولئك المارة الصامتين في الشوارع المظلمة، الذين يبتسمون للهواء كأنهم يحاولون إخفاء كل ما في داخلهم من شقوقٍ عميقة.
ستقول: “وما قيمة حياةٍ مثل حياتك؟”
أجيبك: ليست كثيرة. هي حياة عادية، مشتهاة أحيانًا، ومثقلة غالبًا. فيها صباحات باردة، أفتح فيها النافذة فأجد المدينة مبللة بالمطر، فيها ليل طويل لا ينتهي، أجلس فيه على الكرسي نفسه وأستمع لصوت ثلاجةٍ قديمةٍ تئن في المطبخ. حياة فيها مقاعد الحافلات الصدئة، طوابير المستشفيات، أصوات الأطفال في الأزقة، وصورٌ لوجوهِ غرباء تلتصق بي ولا أعرف لماذا.
إنها حياة مثل كوب ماء، بلا طعم، بلا لون، لكنها تحمل أثر اليد التي أمسكتها.
في هذه السنوات رأيت وجوهًا كثيرة. رأيت الرجل الذي يبيع الزهور عند باب المستشفى، يكرر الجملة نفسها لكل عابر: “خذ وردة، قد تجلب لك الشفاء.” لم يشترِ منه أحد، ومع ذلك يأتي كل يوم. رأيت عامِل النظافة في منتصف عمله، يتوقف أمام واجهة محل أحذية، ينظر طويلًا، ثم يمضي وكأنه يبتلع أمنية صغيرة. ورأيت امرأة على الرصيف تنظر إلى قمر الخريف كما لو أنها تتحدث مع أحد تعرفه.
قد تظنها تفاصيل عابرة، لكنها تراكمت داخلي مثل غبارٍ لم أعد أستطيع مسحه.
أيها الغريب،
الحروب لم تعد تأتي من بعيد؛ صارت تجلس معنا حتى هنا على هذه الطاولات المزينة بالأحمر. تسمع صوتها في نشرات الأخبار، في الأحاديث المكررة في المقاهي، حتى في عيون الغرباء المتعبة. هناك دائمًا بلد يحترق، هناك دائمًا أطفال يركضون في اتجاه لا يؤدي إلا إلى الخوف. ومع ذلك، نحن نعيش، نأكل، نضحك، نتبادل الصور. كأن العالم اعتاد أن يتنفس دخان الحرائق.
البارحة فقط، كنت في المقهى أراقب رجلاً عجوزًا يدفن وجهه في صحيفة. كان يقرأ عن الحرب في فلسطين. كانت يداه ترتجفان، لكنه ظل يقلب الصفحات ببطء، كأن الكلمات تذبحه جرحًا جرحًا، ومع ذلك لا يستطيع أن يتركها. في الطاولة المقابلة، شاب يضحك بصوت عالٍ مع أصدقائه، يلتقط صورًا لكوب قهوة من أجل “منشور سناب شات”، غير مدرك أن في الصفحة المقابلة لصورة كوبه هناك خبر عن طفل فقد ساقه وعن آخرين فقدوا حقهم في العيش مثله.
وأنا؟ لم أعد أعرف إن كنت جسدًا حيًا أم مجرد ظل. صرت أمارس حياتي كما يمارس شخص عملًا لا يحبه: أستيقظ، أرتدي وجهي، وأعود لأخلعه في آخر الليل.
لذلك أعرضها عليك: حياتي.
خذها كما هي، بنكهة القهوة الباردة، بذاكرة الرسائل التي لم تصل، بأحلام الطفولة التي صدئت في الزوايا. لا أعدك أنها ثمينة، لكنها حقيقية.
إن دفعت الثمن، فلن أطلب مالًا ولا ذهبًا. فقط أطلب أن تهديني شيئًا صغيرًا: ربما قدرة على النوم دون أن أستيقظ مرعوبًا من فكرة الغد ما يزال حربًا، أو لحظة أستطيع أن أصدق فيها أن البشر ما زالوا قادرين على أن يحبوا بصدق.
خذ حياتي يا غريب.
ربما في يدك تصير أخف مما كانت في يدي.
وأنا… إن رحلت عنها، فلن أترك ورائي سوى بعض الأوراق الممزقة، وذكرى وجه لم يعرفه أحد حقًا. قد مر الناس بجانبي دون أن يتوقفوا، كما مررت أنا يومًا بجانب وجوهٍ كثيرة لم أتأملها. ربما تكون حياتي كلها مجرد صدى عابر، لا أحد يسمعه بوضوح.
لكنني أقولها هنا، علّها تجد من يستمع، ولو متأخرًا. فالحياة، وإن انتهت، لا تختفي. إنها تتسرب في تفاصيل صغيرة: في كتابٍ تُرك مفتوحًا على طاولة خشبية، في فنجان قهوة يبرد قبل أن يُشرب، في مقعد فارغ بجوار نافذة حافلة لا تعرف وجهتها بعد. تظن أنك تتركها، لكنها تظل تتنفس في أشياء لم ننتبه لها يومًا.
أحيانًا أفكر أنني لم أعش حياتي كما يجب، بل مررت بها مرورًا عابرًا؛ كنتُ دائمًا متأخرةً خطوة عن الفرح، وأسبق بخطوة واحدة إلى الحزن. كل ما امتلكته هو تلك اللحظات التي لا تُشترى: حين يلمس ضوء الصباح نِصف وجهي النائم في غرفتي الباردة، حين يضحك طفل في زقاق ضيق فيبدو صوته كأنه نشيدٌ قصير ضد كل هذا الخراب في العالم، أو حين أجلس وحدي فأتحسس قلبي، إنه هناك رغم ثقله، ما زال ينبض بشكلٍ أنيق.
هذه هي البقايا التي أتركها لك. ليست عظيمة، لكنها صادقة. وإذا أمسكتَ بها، فربما تفهم أنني لم أرد يومًا أكثر من أن أعيش بسلام… ولم أستطع.
خذ حياتي يا غريب،
واحملها معك إلى مكانٍ أبعد من هذا الخراب، إلى زمن لا تُباع فيه الأرواح كما تُباع الأشياء. وإن لم تستطع أن تحبها، على الأقل لا تتركها كما وجدتها: متعبة، مشوشة، مثقوبة بالغياب
وعندما يُسدل الستار الأخير عن المزاد، يختفي كل شيء تدريجيًا: الطاولات، الأرواح، الأصوات، حتى الضوء يبدو وكأنه انسحب من القاعة. أقف وحدي بين الفوضى الصامتة، أتنفس هواءً أثقله ما لم يُقال، وأرى بقايا لحظاتٍ معلقة كأنها أطياف لا يمكن لمسها.
لا رابح، لا خاسر، لا أثر سوى شعور باهت بالغياب. كل حياة كانت تُعرض، كل نبض كان يُقاس، أصبح الآن مجرد صدى يتلاشى في الزوايا، في الأماكن التي لا يصلها أحد، وفي الأيام التي لا تتوقف.
ربما بيدك، أيها الغريب، صار لأيامي وزن أقل، وربما بقيت كما هي، ثقيلة، متعبة، مليئة بالذكريات التي لم تُحتضن، والأحلام التي لم تتحقق. لكن هناك شيء واحد لا يمكن أن يُباع: الحقيقة، الصمت، وأثر كل ما عشنا، حتى لو لم يشاهده أحد.
المزاد انتهى… لا بد أن ينتهي. والحياة، كما تعلم، إنها لا تنتهي، بل تتسلل بصمت، تاركة وراءها أثرها الغامض، الخافت، والجميل بطريقة حزينة لا يفهمها إلا من رآها كاملة.


...!
سرد رائع 🤍