أكتب هذه الصفحات وأنا لا أعرف إن كانت ستُقرأ، ,والحقيقة لا يهم. الكتابة هنا ليست رسالة نجاة، بل محاولة أخيرة لترتيب الفوضى قبل أن تبتلعني الحياة تمامًا. الليلة التي سبقت النهاية كانت هادئة إلى حد الريبة، هدوء لا يشبه السلام، بل يشبه الوقوف الطويل قبل السقوط. السماء كانت منخفضة، كأنها أقرب مما يجب، والبرد كان يزحف ببطء إلى أطرافنا، لا يقتلنا، بل يُذكّرنا أننا ما زلنا نشعر.
كنا نجلس في الخندق، متلاصقين دون وعي، وكل واحد منا يحدّق في نقطة غير محددة. لم يكن بيننا حديث عميق، فقط جمل صغيرة، يومية، سخيفة أحيانًا، لكنها كانت تؤدي وظيفة عظيمة، على الأقل تُبقي الموت خارج الدائرة قليلًا. أحدهم تحدث عن أمه، آخر عن طعام يشتاق إليه، وثالث قال إنه سيتوقف عن التدخين بعد الحرب، فضحكنا. أذكر الضحك جيدًا، لأنني كلما استرجعته الآن أشعر بأنه لا يخصني، كأنه ذكرى سرقتها من رجل آخر كنتُه سابقًا.
قبل الفجر بقليل، نظرتُ إلى الأشجار خلف الموقع. كانت واقفة في عتمة رمادية، أغصانها متشابكة، كأنها أجساد متعبة لم تجد مكانًا تسقط فيه. لم يكن هناك طيور. هذا ما لفت انتباهي. الغياب دائمًا أصدق من الحضور. لو كنت أذكى، لفهمت الإشارة.
ثم جاء الموت.
ليس صوتًا، بل انقطاع. لحظة واحدة انهار فيها ترتيب العالم. الأرض لم تعد أرضًا، والسماء لم تعد فوق. شعرتُ أن جسدي يُقذف خارج الزمن، ثم يُسقط في داخله مرة أخرى. حين استعدت وعيي، لم أكن متأكدًا إن كنت قد متُّ وعدت، أم أنني لم أمت أصلًا. الهواء كان كثيفًا، ملوثًا، يجرح الصدر مع كل نفس. الرماد كان يتساقط ببطء، إنها السماء تُقشّر نفسها.
رأيت المكان بلا تسلسل. أشياء لا يجب أن تُرى مجتمعة، خوذة مقلوبة، بندقية صامتة، يد بلا صاحب. حاولت أن أنادي، لكن الصوت لم يخرج كما ينبغي. كان مبحوحًا، غريبًا عني، كأن حنجرتي لم تعد تعرفني. وفي تلك الفوضى، سمعت صوتًا واضحًا، ثابتًا، قادمًا من الجهة الأخرى، من حيث يجب أن يكون العدو.
قال: «لقد مات الجميع».
لم يقلها بشماتة، ولا بغضب. قالها كما تُقال حقيقة بسيطة، كأنها نتيجة حتمية لمسألة حسابية. تلك الجملة سقطت في داخلي وأغلقت شيئًا إلى الأبد. أردت أن أصرخ، أن أقول إنني هنا، إن أحدًا لم يمت بالكامل بعد، لكن الكلمات لم تطعني. خرج الهواء فقط، وخرج معه إدراك بارد: ربما أنا أيضًا لست استثناءً، بل تأخير.
جلست بين الأجساد. لم أجرؤ على تسميتها جثثًا. كانوا ما زالوا أصدقائي في رأسي، بأسمائهم، بأصواتهم، بحركاتهم الصغيرة التي لا يلاحظها إلا من عاش معك طويلًا. كنت أنتظر أن يتحرك أحدهم، أي حركة، حتى لو كانت وهمًا. لكن الصمت كان كاملاً، صمتًا لا يتراجع.
مع شروق الشمس، لم يحدث شيء يُشبه الأمل. الضوء لم يطهّر المكان، بل كشفه. الأشجار التي رأيتها ليلًا صارت الآن محروقة، أغصانها سوداء، مائلة، كأنها حاولت الهرب ولم تستطع. الأرض كانت مليئة بالحفر، كجلد قديم امتلأ بندوب لا تُشفى. ولا طيور. السماء كانت فارغة، لقد تخلّت عنا.
منذ تلك اللحظة، بدأت مشكلتي الحقيقية. لم تكن الإصابة، ولا الجوع، ولا الخوف من أن أُقتل لاحقًا. المشكلة كانت أنني بقيت. البقاء ليس فعلًا بطوليًا كما يُقال، بل حالة أخلاقية معقدة، مليئة بالأسئلة. لماذا أنا؟ بأي حق أتنفس بينما توقّفوا هم؟ كل خطوة أخطوها بعدهم أشعر أنها سرقة صغيرة.
أكتب الآن، ليس لأودّع العالم، بل لأفهمه. أكتب لأنني صرت غريبًا عن فكرة الحياة. الناس يظنون أن الحرب تتركك خائفًا من الموت، لكنها في الحقيقة تجعلك غير قادر على قبول الحياة كما هي. الحياة بعدهم تبدو مبتذلة، زائدة عن الحاجة، مليئة بتفاصيل لا تستحق أن تُعاش وحدك.
إن عثرتَ على هذه المذكرات، فلا تبحث عن بطولة. لن تجدها. ستجد فقط إنسانًا بقي حيًا أكثر مما يجب، يحمل ذاكرة أثقل من جسده، ويصارع يوميًا فكرة أن الموت كان منصفًا أكثر مما ينبغي، وأن الحياة، حين تُمنح بلا سبب واضح، تصبح عبئًا لا يحتمل.
سأضع القلم الآن، لم أقل كل شيء، لكن الكلمات بدأت تكرر نفسها، كما يفعل الألم حين يفقد دهشته. لا شيء جديد سيُكتب بعد هذه الصفحة؛ ما تبقّى ليس أفكارًا، بل ثقلًا صامتًا سيلازمني دون لغة.
إن كان للحياة معنى بعد هذا كله، فأنا لم أعد معنيًا بفهمه. المعاني تحتاج شهودًا، وأنا الشاهد الوحيد على واقعة كان يجب أن يكون لها أكثر من قلب واحد ينبض. منذ تلك الليلة، وأنا أعيش كدليلٍ يُستدعى إلى المحكمة، كحقيقة مزعجة يفضّل العالم تجاهلها.
لا أطلب الغفران، لأنني لا أعرف ممّن، ولا أطلب الموت، لأنه كان هنا ورحل دوني. كل ما أريده أن تُترك هذه الصفحات كما هي: غير مكتملة، مثل نجاتي، ومليئة بالفراغ، مثل الأيام التي تلت.
و إن عاد أحدهم يومًا إلى ذاك المكان، ونظر إلى السماء نفسها، ورأى الأشجار التي نبتت من جديد فوق الرماد، فليعلم أن الطبيعة لا تتذكر، وأنها تُشفى بسرعة مخيفة. أما الإنسان، فلا يملك هذه الرفاهية. الإنسان يُجبر على الاستمرار وهو مكسور، وعلى حمل ما لا يُحمل، وعلى تسمية ذلك حياة.
لقد قيل إن الجميع مات.
وأنا لم أجادل
كانوا محقين.
لأن الذي يكتب الآن…
ليس هو الرجل الذي جلس في الخندق تلك الليلة،
وليس هو الذي ضحك،
ولا هو الذي كان ينتظر نهاية الحرب.
لا … ليس أنا.
مذكرة مشابهة :
مذكرات السمكة البرتقالية🐡
اليوم أشرقت الغرفة قبل أن يفتح أحدهم الستائر. انعكاس الضوء على سطح الماء جعلني أظنّ أن السماء تسكن هنا، لا هناك في السماء. أراقب الغرفة من خلال حواف الزجاج كما لو أني أتجسّس على حياةٍ لا تخصّني. الأم تمرّ كل صباح، متعبة العينين، تضع الكوب الأبيض على الطاولة نفسها، في الموضع نفسه. لم أرَ يومًا أحدًا يشرب ما تتركه، لكنها تعود كل مرة بكوب جديد، كأنها تحاول…



نجي الذي مات و مات الذي نجي
هل الحياة اعطته فرصة ام ذكرى لاتنسى ؟