دخلتُ إلى ألبوم الكاميرا كمن يفتّش عن شيء مفقود منذ زمن، شيئًا لم أعد أتذكر أنه كان موجودًا أصلاً. كانت الصور متراصة بلا روح، كقلبٍ يعرف النبض لكنه لا يعرف سبب خفقانه. لقطات شاشة للعمل، أفلام لن أتابعها، قوائم بقالة تبدو وكأنها وثائق لقضيّة مهمة، وصورة سوداء واحدة… سوداء بلا سبب، بلا معنى، كأنها صرخة لا يسمعها أحد.
جلستُ أمام هذا الصمت الرقمي، أستحضر إحساسًا غريبًا بالفراغ. كل صورة هناك كانت صامتة، ميتة، محتجزة بين الشاشات، تنتظر أن أحولها إلى شيء حي، شيء يصرخ، يضحك أو يبكي، شيء… يشبه الحياة نفسها. وفي تلك اللحظة شعرتُ أنني أعيش في غرفة صغيرة جدًا، أن الأضواء باهتة، وأن العالم كله خارج نافذة لم أعد أستطيع الوصول إليها. شعور غريب بأن هذه الصور، رغم كثرتها، لم تحمل شيئًا مني، ولم تحمل شيئًا للحياة نفسها. كأن العالم الذي تحاول الكاميرا الإمساك به قد غادر منذ زمن، تاركًا خلفه مجرد ظلّ لما كان يمكن أن يكون.
ما الذي تبحث عنه الكاميرا خلف ما ألتقط؟
الكاميرا تفتقد للحياة

صرتُ أشعر أن كاميرتي تتنهّد. لم تعد تفرح حين أوجّهها نحو فنجان قهوة أو صفحة كتاب أو نافذة تُطلّ على شروق رتيب.
كأنها تخبرني ـ بلا صوت ـ أنها ملت.
تقول لي: “الحياة أكبر من هذا… أعطني شيئًا ينبض.”
لقد اعتدنا، أنا وهي، على الصور السهلة:
زاوية مرتّبة، لمعة كوب، كتاب مفتوح على كلمةٍ تبدو عميقة، غروب يكرر نفسه وكأنه نسخة مطبوعة كل مساء.
وفي كل مرة كانت الكاميرا تهتزّ قليلًا، كأنها تسأل:
وأين أنتِ من كل هذا؟
أين حياتكِ الحقيقية؟ أين الفوضى التي تخافين منها؟ أين التجارب التي تترك رائحة على ثيابكِ لا على منشوراتكِ؟
لأدرك مؤخرًا أن الكاميرا، مثل القلب، تكره التكرار. تحب أن تلتقط الحياة حين تفلت منكِ، لا حين ترتّبينها مثل صحنِ المقبلات.
الحياة… تلك التي تحدث فجأة:
في طريقٍ جبليٍّ صاعد، حيث الهواء يلسعك ويذكّرك أنك ما زلت على قيد المعنى. في لحظة سباحة باردة عند شروقٍ خفيف، حين يلامس الماء كتفيك وكأن الكون يربّت عليك في محاولة احتواء مترددة. في رائحة ملحٍ معلّق على شفتيك، وفي ضحكةٍ لم تخطط لها، انطلقت فقط لأن موجة باغتت قدميك.
مثل الحياة هُناك…
في الأزقّة الضيقة لمدينةٍ لا تعرف اسمك. حين تسير بين جدرانٍ تآكل طلاءها، وفي يدك قهوة ورخيمًا يتصاعد من مقهى صغير، حيث يجلس رجل عجوز يقرأ جريدة بالخط الكبير، وفتاة تلمس شعرها بأطراف أصابعها وهي تحدّث صديقة لا نسمع صوتها، وشاب يضحك ضحكة صادقة، تلك الضحكة النادرة التي تتحرك معها العيون قبل الشفاه.
في إيطاليا مثلاً — أو أي مدينة يمكن للروح أن تُسقط عليك اسمها — هناك مقاهٍ لا تعرف من زارها قبلك، ولا تهتم لمعرفة من سيجلس بعدها. كراسيها قديمة، مائلة قليلًا، مساميرها ظاهرة كأنها تثبت بأن الجمال لا يشترط المثالية.
على الطاولة:
خدش صغير، وردة بذبولٍ حزين، بقعة قهوة لم يستطع أحد إزالتها تمامًا… هذه التفاصيل الصغيرة هي ما تجعل المكان يتنفس.
والناس — يا الله على الناس —
أوجههم روايات مفتوحة:
هذا رجل يحمل غضبًا في عينيه كأنه عاد للتو من معركة مع نفسه. وهناك امرأة تحدّق في الفراغ، كأنها تبحث عن لحظة فقدتها بين الأمس واليوم. وهناك طفل يبتسم بلا سبب، ربما تذكّر شيئًا جميلًا، ربما أحبّ أحدًا في الطريق.
حتى العيون الكئيبة… فيها حياة.
حتى الوجوه المتعبة… تقول شيئًا.
حتى الملامح الجامدة… تحمل أثرًا لم يرغب صاحبه أن يُكشف.
الكاميرا تعرف ذلك. تبحث عنه، تشتهيه أكثر من جمال القهوة الدافئة على الطاولة. ولذا، حين أمسكتها مؤخرًا، شعرت بأنها تدفعني للخارج، كأنها تقول:
“صوّري امرأة تركض تحت المطر،
أو طفلاً يركل كرة الطين،
أو رجلًا يبكي ولا يخجَل،
أو حتى يدين تتشابكان لأول مرة…
صوّري الحياة، لا مظهرها.”
إن الكاميرا لا تريد مني ولا منك صورًا جميلة، بل حكايات تلتقطها قبل أن تفكر فيها. لحظات تصدمك وتُربكك وتكسرك قليلًا وتبنيك أكثر.
ربما… وربما فقط…
أحتاج أن أترك الكتب مغلقة لوهلة،
وأجرب السير بلا هدف،
وأحادث غريبًا،
وأصعد جبلاً،
وأتسخ بالطين،
وأضحك بصوتٍ حقيقي،
وأبكي في مقهى لا يعرفني فيه أحد،
وأبحث عن صور ليست للتوثيق،
بل للنجاة.
لماذا؟
لأن الكاميرا — مثلي تمامًا —
تفتقد للحياة.
وتنتظر اللحظة التي أسمح فيها للعالم أن يدخل إلى الصورة…
لا أن تبقى الصورة بديلاً عن العالم.

مقال شاعري مجنوون ، وفي نظري أن الكاتب الحقيقي هو الذي يستطيع أن يكتب من أي شيءٍ شيءَ . فمن ذا الذي يفكر بالكاميره على انها قلب ينبض بلا خفقان إلا شخصٌ جرب الوقوف بلا سير و استطاع استشعار هالة الشعور ، اعجبتني المشاعر والمناظر اللي تخيلتها مع هذا المقال ، شكراً لك.
كنتُ احب التصوير وبعد أن قرأتُ هذهِ المقالة عشقتها وكأن الكامرة تتحدث معي
يالها من مقالة رائعة🌱