حِين لا يكفي الرجوع !
لا أعلم إن كانت رواية مكتملة أم مجرد مسودة مهملة،
لكنها إحدى كتاباتي قبل عامين،
كتبتها في لحظة شعور لا يُعاد،
وتركتها كما هي، دون نهاية أو بداية واضحة.
شاركتها اليوم لعلها تجد مكانًا في قلوبكم.
قراءة ممتعة …
(1)
سبعُ أمتارٍ من السجن.
الخامس من أبريل، يوم السبت.
كنت على حافة الأشياء، حافة الصبر، وحافة الموت، بدأت أفقد الرغبة في عدّ الأيام. كاد يكون صباحًا عاديًا، لولا أنني لم أعد أتحكم في نفسي. لو أن الشمس أخلفت موعدها هذا اليوم، ربما متُّ… يا لسذاجتي!
الشمس لا تتأخر، لأن الحياة تمنحها موعدًا لا تُخِل به. تمنح القمر وقته، والبحر مدّه وجزره… حياة عادلة في كل شيء، إلا إذا كنتُ أنا طرف الحكاية.
كنتُ قد اعتدت أن يكون الكناري منبّهي، ينقر زجاج نافذتي حتى يسحب مني النوم برفق، يتناول حصته من الخبز والماء ثم يحلّق، حرًا في فضاء لا نهاية له. كنت أحسده، كيف لعصفور صغير، لا يملك عقلًا، أن يحيا بهذه الحرية؟ بينما أنا، عاقلٌ حبيس، لا أملك سوى أربعة جدران وحديقة لا تتجاوز سبعة أمتار؟
لكن اليوم، لم يأتِ طائري.
ربما مات… هكذا أفسّر الغياب دائمًا: بالموت.
لكني تساءلت:
هل الجوع أو العطش كافيان للموت؟ أم أن السؤال الحقيقي شيء آخر؟
كانت العاشرة صباحًا، أو بعد ذلك بقليل، فساعة الحائط الصدئة لم تعد تصدق. رتبت سريري مع أنني لم أنم، فقط لأن اليوم سبت، ولأني – ربما – سأموت غدًا.
نسيم الخريف أخذ يضرب النوافذ، يركل أوراق الشجر من أغصانها بعنف، كأن الطبيعة تتطهّر من خطاياها. شربت شايًا فاترًا، وأكلت بسكويتًا باهتًا من الأسبوع الماضي، ثم دخلت في فراغ لا نهائي، كمن يفتح صفحة عشوائية من كتاب يكرهه، لكنه يقرؤه مرارًا لأنه لا يملك سواه.
انتهى الشاي، وبدأ الجزء الكريه من اليوم:
الأسئلة.
ماذا سأفعل؟ إلى متى؟ لماذا؟
سحقًا للملل. سحقًا لي. وسحقًا لأخي اللعين!
حملت المكنسة، أخذت أضرب بها الأرض كأنني أنتقم من العتمة، من التراب، من الغياب. البيت مغطى بطبقة من الغبار كأن أحدًا لم يسكنه منذ ألف سنة. والحقيقة؟ أنني لم أخرج من هنا منذ ست سنوات.
ست سنوات! يا لخفتها حين تُقال، ويا لثقلها حين تُعاش! كم هي قاتمة، خانقة، مريرة.
عقلي يتخبط يوميًا، مثل هذه المكنسة.
يتآكل كزاوية مدفأة صدئة، ينزف كصنبور مهمل، لكنّ الإعتياد تخدر الألم، لا تمحيه. تدفنه، تحبسه، تجبره على الصمت…
وحين تنعدم الحلول، يبقى الموت هو الفكرة الأخيرة.
لكن فجأة…
عاد طائري.
عاد ومعه صغيران، يطرقون زجاج نافذتي بأجنحتهم الرقيقة، كأنهم يقولون: “نحن هنا، جئنا لنحييك.”
ابتسمت، وقلت في داخلي:
شكرًا لك يا طائري العزيز، جلبت أسرتك لتقول لي إنك بخير… لكن،
هل يمكنك أن تحضر لي أمي؟ فقط أمي…
لأنني، ربما،
سأموت غدًا يا طائري العزيز،
فغدًا هو الأحد.
(2)
الأحد الرمادي
السادس من أبريل، يوم الأحد.
أحدهم يطرق الباب.
إذن، لم أمت اليوم أيضًا… يبدو أن النهاية مؤجلة لأحدٍ آخر.
أشعة الشمس تتسلل بخجل من ثقوب الستارة، وتغمر الغرفة بلون دافئ، لكن قلبي لا يفقه الضوء.
فراشة بيضاء تجول في المكان، صوت جناحيها يرفرف في صمت الغرفة، كأنه صلاة لا تُسمع.
لكن الطرق لا يتوقف، لا يخفت.
بإصرار غريب…
ثم جاء الصوت:
— السلام عليكم!
— أخيرًا!
— أعتذر جدًا، لقد حصلت أشياء عجيبة جدًا… احملي معي هذه الأكياس، وندخل إلى الداخل… هه، كيف حالك؟ لا أراكِ بخير هذا الأسبوع! أتشكين من مرض أو ما شابه؟
— وعليكم السلام، هه! اترك لي المجال قليلًا… أنا بخير، لا تقلق. أخبرني، كيف الأحوال؟
— لنتحدث في الداخل… لا لا، دعي هذا الكيس، سأحمله أنا. خذي، خذي هذه… أدخليها.
— حسنًا.
كان مبتهجًا جدًا، على غير عادته.
كأن الشمس اختارت أن تشرق من قلبه هذه المرة.
ابتسامته مشرقة لدرجة بدت معها أعصاب وجهه على وشك التمزق، وأنا — رغم كرهي العميق له — أحب رؤيته سعيدًا.
كان يحمل عفشًا وأكياسًا كثيرة، وكأنها لا تزن شيئًا.
امتلأت الغرفة بأشياء لا أعرفها، وصوته يغمر المكان.
يتحدث، يثرثر، يرتب، يغلي الماء، يبحث عن طبق نظيف ليضع فيه الشوكولاتة والبسكويت.
وأنا أجلس بصمت في طرف الغرفة، أراقب فوضاه، أتابع كل حركة بعين مشلولة:
— أين الأطباق؟… أوه، هنا! أنتِ لا تغيّرين شيئًا، ههه! هل تعلمين؟ حال البلد تغيّر كثيرًا، تطورنا! أصبحنا ننافس أمريكا والصين، وااه… من كان سيصدّق هذا قبل عشر سنوات؟!
استدار إليّ فجأة، صمت لحظة، تطلع إليّ بعينٍ فاحصة، ثم قال:
— أنتِ لا تتكلمين؟ ما بالك اليوم؟ ما الخطب؟
— لا شيء، أنا بخير. فقط… رؤيتك مبتهجًا كانت غريبة قليلًا. عادةً ما تدخل ووجهك كجدار المحكمة، هه.
ضحك، ثم قال:
— أوه، ههه! لديّ خبر رائع… في الحقيقة، عرفت قبل يومين أنني سأصبح أبًا!
ثم قالها، بكل دفء الدنيا:
— يااااه… إنه شعور كالمعجزة!
هاه، خذي هذه صورة الكشف. ذهبنا لرؤيته صباح هذا اليوم.
مرر لي صورة صغيرة، باهتة، بالكاد تظهر فيها نقطة بيضاء وسط سواد.
إنه طفله.
بصوت خافت، قلت:
— مبارك… ليحفظه الله بعينه التي لا تنام. فرحت كثيرًا.
لكن الحقيقة؟
الأعمى كان ليشعر أنني لم أكن مهتمة.
الأصم كان ليفهم أن نبرتي باردة.
الأبكم كان ليستطيع أن يقول: “أنتِ تكذبين.”
ومع ذلك، استقبل التهنئة كمن نال كنزًا.
ابتسم، وربّت على صدره، كأنها إشارة تقول: “شكرًا.”
ثم عاد لحركته، لترتيبه، لتفاصيله الصغيرة.
طائري جاء اليوم.
تأخر، لكنه جاء.
أخذت بعض الماء، وفتات الخبز، وغادرت.
خرجت لأطعمه، بينما هو ما زال يعبث بالمكان.
السحب تتثاقل.
السماء تكتسي الرماد.
سيمطر اليوم. بل، ربما تعصف الريح.
جاء، يحمل صينية فيها كوبين من الشاي، وطبق صغير فيه بسكويت محاط بفتات السكر.
جلس على الكرسي المقابل، حدّق بي، وقال:
— تبدين بائسة اليوم… أكثر من العادة.
ربما لأنني لم أمت اليوم.
لأنه، ببساطة… كان الأحد.
(3)
حلّ المساء، وما زال موجودًا كأنه لا يريد الرحيل.
العشاء حَضَر — رز ودجاج صيني، وسلطة خس وخيار، وكولا باردة، ثم مهلبية في طبق زجاجي شفاف.
وليمة لم أحظَ بمثلها منذ مدة طويلة.
أشعلنا المصابيح، صلّينا العشاء، ثم جلسنا نأكل بينما المطر يهطل خارجًا كأنه يغسل الأيام كلها.
نشاهد فيلمًا بريطانيًا قديمًا جاء به اليوم.
صوت الفيلم ينقطع ويعود، كأنه لا يريد أن يُروى كاملًا.
نهضت بهدوء، حملت أطباقي، فيما ظل هو يأكل بنهم — كالدب الجائع الذي خرج للتو من سبات طويل.
غسلت الأطباق، ثم دخلت الغرفة، بدّلت ثيابي، وأخذت أحد الكتب التي جلبها اليوم، وذهبت إلى الصالون.
كان قد انتهى من طعامه أيضًا، وغسل أطباقه.
— قهوة؟
— أفضل الشاي.
— حسنًا.
صمت.
كأن وقت الشاي هو وقت الحقائق، لذلك نتجنّب الحديث، نخلق أعذارًا للصمت، ونترك صوت دويّ الرياح يصرخ بدلًا منّا.
لكن لا مهرب من الكلام، من الفاصل الذي يجب أن يُقطع في منتصف هذا الصمت المدمي.
قلت:
— هل ستبقى الليلة؟
— لا أستطيع. زوجتي تنتظرني، ولديّ عمل غدًا… لكنكِ لم تقولي شيئًا اليوم!
ترددت لحظة، ثم استسلمت للسؤال الأبعد:
— أممم… كيف حال المدينة؟ وكيف حال أمي؟
— المدينة رائعة جدًا! ألم أخبرك؟ أصبح عندنا قطار مثل الأفلام، ههه! رائع للغاية… آمل أن ترين ذلك قريبًا.
أما أمك؟ فهي بخير، ما زالت تذكرك في كل وقت… وتدمع عيناها.
تنهدت.
أشتاق لها…
لقد متّ بدونها، ولو كنت ما زلت أتنفس.
— قبّلها من أجلي.
— سأفعل…
صمت.
ثم آخر، وآخر، وآخر…
— أقلت إنك تأمل أن أرى المدينة قريبًا؟ هه… لا أظن ذلك، فأنا…
— ماذا؟ هل فقدتِ الأمل؟! أنا أعمل على هذا، لقد صبرتِ ست سنوات! ما بالكِ لا تصبرين شهورًا قليلة؟ ما الذي تغيّر؟
— لا شيء… فقط، أظن أنني اعتدت هذا المكان.
— أوه، لا بأس… الاعتياد شيء سليم، هه!
— الاعتياد الخيار الوحيد لمَن فقدوا أملهم.
نظر إلى ساعته، ثم نهض.
بدأ بحزم أشياءه، واحدة تلو الأخرى.
سأعود لوحدي.
هل هذا ما أريده فعلًا؟
الوحدة؟
ربما ليست بذلك السوء… أو ربما، هي أسوأ ما في الأمر.
سارعت بالسؤال قبل أن يخرج:
— كيف حاله؟
— مَن؟
— أنت تعلم من.
— إنه بخير. أراه من بعيد… لا أحد يعلم أنني أتابع أخباره، وهذا في مصلحة الجميع، ومصلحته بالأخص. لقد تألم كثيرًا… لكنه بخير. لا تقلقي.
— كلّه بسببي…
جلست في زاوية الأرض، ضممت ركبتيّ، وأسندت رأسي عليها.
أحسست باقترابه ليواسيني، لكنني لوّحت بيدي بصمت — لا، لا تقترب.
ثم سمعت فقط صوت القفل…
وصار كل شيء بعده صامتًا.
(4)
لا شيء يحدث، ومع ذلك يتغيّر كل شيء!
الثامن من أبريل، يوم الثلاثاء.
الثامن! غريب… أين اختفى يوم الاثنين؟
هل نمتُ يومًا كاملًا كما لو أنني عدتُ من حرب؟
أم أنني فعلًا في حرب؟
حرب بين الحقيقة وإنكارها؟
بين الوحدة والضجيج؟
أم هي معركة صامتة بيني… وبيني؟
لم أترك للتفكير فرصةً لابتلاع يومٍ آخر.
نهضت، وكأن عظامي تتكسر فقط لتستقيم من جديد.
خرجت إلى الحديقة الصغيرة خلف البيت.
التراب كان رطبًا، تفوح منه رائحة الحياة.
غرست بعض البذور—ريحان، ونعناع، وشيئًا لم أعد أذكر اسمه.
هل سأبقى هنا لأراه ينمو؟
أم سأغادر قبل أن ينبُت أي شيء؟
الحياة كلها تشبه الزراعة… نزرع، ننتظر، ثم نُخذل، أو نُبهج.
لكننا دومًا نزرع.
دخلت بعدها إلى المطبخ.
عجنتُ دقيقًا، أضفت الماء والملح، وتركت العجين يرتاح أكثر مني.
الفرن دافئ، لا يشبه قلبي، لكنه يشبه ما أتمنى أن أشعر به.
بينما كنت أراقب الخبز وهو ينتفخ، سمعته… مواء خافت عند الباب.
فتحت الباب، وكان هناك قط أسود، بعينين واسعتين ترى كل شيء.
أطعمتُه بعض الخبز، وضعت له وعاء ماء.
لم يأكل كثيرًا، لكنه لم يغادر.
ظل يتبعني، يتأملني… وكأنني أنا من ضاع، وهو وجدني.
قلت له همسًا:
“هل كنت هنا البارحة؟ هل رأيت يوم الاثنين؟”
ولم يجب.
لكنه ظل جالسًا.
يراقبني وكأنه يعرفني من قبل.
من حياةٍ أخرى، أو من حلمٍ لم يكتمل.
في المساء، فتحت الباب لأتفحص الأجواء خارجًا.
كان المساء هادئًا، والنسيم باردًا قليلًا.
السماء مغطاة بغيمة رمادية خفيفة، تشبه غيمة داخلي.
خرج القط بهدوء، ولم ينظر خلفه.
ذهبتُ للاستحمام. الماء كان دافئًا، يغسل التعب من أطرافي،
لكنه لم يصل إلى الداخل.
هل يُغسَل الداخل؟
هل يختفي كل هذا الثقل بنقطة صابون أو دعكة إسفنجة؟
بعد الاستحمام، صنعتُ قهوة.
مرّة، سوداء، لا سكر.
النافذة نصف مفتوحة، والهواء يحمل شيئًا لا يُرى…
ربما ذكرى، ربما شوق، ربما لا شيء.
ثم سمعته.
مواء ضعيف، متواصل، خلف الباب.
القط.
لم أُكترث أولًا.
“أنت اخترت المغادرة،” تمتمت لنفسي.
لكن المواء استمر.
نفسه، بلا يأس.
فتحت الباب.
كان واقفًا هناك، بلونه الأسود، ووجهه مبلل قليلًا.
أدخلته، وجففته بمنشفة قطنية ناعمة.
جلس بصمت، يرمقني بعينيه الواسعتين.
عدت إلى كتابي، وبدأت أقرأ.
بعد دقائق، جاء بهدوء، ووثب إلى حجري.
استدار، وتمدد، ووضع رأسه على قلبي.
وظل هكذا.
وكأن كل ما في هذا اليوم الغريب…
كان من أجل هذه اللحظة.
أنهيتُ بضع صفحات من الكتاب، ثم رمقتُ القط بنظرة طويلة.
قلت بصوتٍ خافت:
“ماذا تريد؟ أن تُشاركني الوحدة؟ أم ماذا؟”
لم يجب، بالطبع، لكنه لم يُبعد عينيه عني.
“أمم… حسنًا، اسمي شمس،”
توقفت لحظة، ثم ابتسمت:
“وأنت؟ ماذا أسميك؟ ليل؟”
تأملنا بعضنا قليلًا،
سكونٌ محمّل بالكثير من الكلام الذي لا يُقال.
ثم همست:
“نفكر في اسمك غدًا، هاه؟”
حملته بلطف، وضعته على الأريكة قرب النافذة،
ثم ذهبت لأغسل كوب القهوة.
الماء كان دافئًا، والصمت خلفي مطمئن.
وحين عدت…
كان قد نام، ملفوفًا على نفسه مثل سرّ صغير.
ابتسمت، أغلقت النور،
واستلقيتُ على سريري.
أغمضت عيني، وخلدتُ للنوم بعده.
(5)
لا أعلم كم مضى من الوقت.
يوم؟ يومان؟ أسبوع؟
التقويم على الجدار ثابت، لا أحد يمدّ يده ليقلب صفحاته،
وكأن الزمن ينتظرني لأقرّر إن كنت ما زلت جزءًا منه.
القط الأسود ما زال هنا.
بالمناسبة، أسميته “ظل”.
ربما لأنه ظلي… أو لأنني أصبحت أنا ظله.
أراقبه أحيانًا وهو يتمدد في رقعة ضوء عند النافذة،
صامتًا، كأنه يُفكّر… أو يتأمل عبثيّتي.
أحسده.
صباح اليوم، صنعت خبزًا مجددًا.
الخطوات نفسها، لكن العجين كان أثقل.
يديّ لا تتذكران الحركة كما اعتادتا،
وكأنهما تُفكّران بكل شيء… إلا الخبز.
سقيت الزرع.
الريحان بدأ ينمو، خجولًا، وكأنّه يعتذر لكونه حيًا.
النعناع أقوى، عنيد، يزاحم التراب بعزم.
الشيء الذي لا أتذكر اسمه… لم يظهر بعد.
هل كل ما نزرعه ينمو؟
وهل كل ما ينمو يستحق أن يبقى؟
غداؤنا اليوم سمك مشوي.
رغم أنني لا أحب السمك، لكن هذا ما يفضله ظل.
مطهوٌّ بطريقة محترفة للغاية!
ظل يلعق الأطباق بعد الانتهاء، ربما يساعدني في التنظيف.
لم يأتِ الكناري منذ مدة.
أفتقده كثيرًا.
ولكن …
اعتدت على ظل كثيرًا… بل حتى أحببته.
في المساء، ذهبنا معًا إلى الحديقة.
جلس بقربي، ثم حملته في حضني.
لحظات بعدها، لعق وجهي بلُطف.
تقززت، ثم ضحكت… ضحكة خفيفة خرجت رغمًا عني.
نهض وصار يدور حولي، كمن يريد اللعب.
قلت له وأنا أُحيك بصبر:
“ليس وقتك… أنا أحيك الصوف.”
ثم توقفت، حدقت في الغرز بين يدي،
وهمست كمن يعترف بسرٍ صغير:
“إنني أحيك له سترة… لقط؟ لا… ليس بقط، إنه ابني”
صمت.
كنت أسمع دقات قلبي، وصوت الخيط ينزلق بين أصابعي.
ظل جلس أمامي، يراقبني، كأنه فهم ما قلت.
أو ربما، فقط أحب نبرة صوتي حين أتكلم إليه.
النسيم بارد قليلًا، لكنه يوقظ شيئًا داخليًا شيئًا لم أسمه بعد،
ولم أعرف إن كان سعادة، أم تصالح، أم مجرد استسلام جميل.
رفعت بصري نحو السماء.
كانت غائمة، بلون رمادي لا يوحي بشيء،
ومع ذلك، بدا لي أن غيمة صغيرة هناك كانت تشبه قلبًا مائلًا.
ضحكت.
عندما عدنا للمنزل، وجدت ورقة صغيرة منزلقَة تحت الباب.
لم تكن موقعة، ولا تحمل كلمات كثيرة،
فقط جملة واحدة:
“هل ما زلتِ هناك؟”
توقفت.
برد الهواء صار أعمق من المعتاد.
ورجفة صغيرة سرت في ظهري… ليست من البرد.
نظرت إلى “ظل”.
عيناه كانتا ساكنتين، لكن فيهما حذر أعرفه.
كأنّه شعر بي.
أغلقت الباب… ببطء.
وأدرت القفل هذه المرة.
نعم، ما زلتُ هنا … ولكن هل كنت أنت هنا؟
ومن تكون؟
(6)
من يعرف الطريق إليّ؟
استيقظتُ هذا الصباح على شعورٍ غير مألوف.
الهواء في الغرفة كان ثقيلاً، كأن شيئًا غريبًا حدث أثناء نومي، دون أن أعيه.
ظلال الضوء المتسرّبة من بين الستائر كانت باهتة، كأنها تخجل من دخول هذا المكان.
“ظل” لم يكن في مكانه المعتاد على حافة السرير.
وجدته جالسًا عند الباب، متصلبًا، عيونه مثبتة على الخشب كأنه ينتظر شيئًا… أو أحدًا.
مررتُ بجانبه ببطء.
– هل تشعر بشيء لا أراه؟
لم يلتفت.
أعددتُ القهوة بصمت.
سقط فنجاني المفضل من يدي أثناء السكب، وانكسر.
حدّقت فيه طويلاً.
هل كانت يدِي المرتجفة هي السبب؟
أم أن شيئًا بداخلي لم يعد يريد الأشياء أن تبقى سليمة؟
لم آكل شيئًا، فقط جلستُ قرب النافذة أراقب السماء الرمادية.
قطرات مطر خفيفة بدأت بالهطول، تطرق الزجاج وتعزف لحنًا فريدًا.
كان “ظل” قد عاد وتمدّد إلى جانبي.
لكنّه كان ساكنًا على غير عادته.
يبدو عليه التوتّر… عيونه لا تزال تراقب الأبواب أكثر من العالم.
سقيتُ النباتات قبل الظهر.
الريحان الذي بدأ ينمو قبل أيام، انحنى فجأة، كأن شيئًا دسّ فيه حزنًا ثقيلاً.
النعناع تيبّس أطرافه.
الهواء راكد، لكنّ داخلي كان يعجّ بأسئلة لا اسم لها.
في المساء…
طَرقٌ خفيف على الباب.
تجمّدت.
نبضي ارتفع.
اقتربتُ بخطى حذرة، نظرت من العين السحرية.
كان هو.
فتحت الباب ببطء.
لم يتكلّم أولاً.
رفع كيسًا صغيرًا فيه بعض المستلزمات.
– جلبت لكِ شايًا وتمرًا… بدا لي أنكِ تحتاجين هذه الأشياء.
ثم رفع علبة سوداء صغيرة.
– وهذه… ساعة يد. بدت لي مناسبة لِكِ.
تأملتها بصمت.
دعوتُه للدخول.
جلس على الكرسي في المطبخ، وضع الكيس على الطاولة، ثم نظر حوله كأنّه يحاول فهم المكان من جديد.
“ظل” وقف عند المدخل، لا يقترب.
عينيه على الزائر.
– ومن هذا؟
– اسمه ظل.
– غريب، لم تكوني من محبّي القطط.
– لم أختره. هو من جاء… وبقي.
– يشبهك، صامت، كثير التأمّل… ونظرته فيها شيء لا يُفهم.
ضحكت بخفة، أو تظاهرت بذلك.
ثم سألت، وكأنني أرمي السؤال في الفراغ:
– هل مررتَ هنا البارحة؟ أو اليوم الذي قبله؟
رفع حاجبيه.
– لا، لم آتِ منذ أيام. لماذا؟
– لا شيء… شعرت فقط أن أحدًا كان هنا.
– ربما حلمتِ.
لم أُجب.
كان كافيًا.
بعد خروجه، أغلقت الباب بهدوء، وأقفلت القفل.
جلستُ على الأرض، أسندت ظهري إلى الجدار، والساعة الجديدة في يدي.
“ظل” اقترب، وضع رأسه على ركبتي.
مررت يدي على فرائه ببطء.
– ما كنتُ أتوهم إذًا…
رفعت بصري نحو الباب.
كأن أحدًا لا يزال واقفًا خلفه، حتى بعد مغادرته.
نعم، ما زلتُ هنا…
ولكن، هل كنتَ هنا؟
ومن تكون؟
(7)
حين ينهض الليل في داخلي…
استفاقت عينيّ فجأة، مشوشة، أبحث عن معنى لما حولي.
لم يكن الصوت قد اختفى بعد.
نبضات قلبي كانت تتسارع، كأنها كانت تلاحق شيء في الظلام.
كنت في تلك الغرفة، الغرفة التي ظننت أنني تخلصت منها.
الجدران الداكنة، النافذة التي لا يُفتح لها ستار، والكرسي الخشبي الذي بدا وكأنه جزء من الزمن،
لا يتحرك.
كان يجلس هناك.
ظهره لي.
لكنني كنت أعرفه.
أدرت رأسي ببطء، لكنني لا أستطيع أن أراه.
في كل مرة اقتربت منه، ابتعد الكرسي، كما لو أنني أعيق الطريق.
خطواتي كانت بطيئة، مترددة، وكأن المكان نفسه يرفض السماح لي بالاقتراب أكثر.
ثم وقف.
رفع يده وكأنه يشير إلى شيء على الأرض.
نظرت، وكانت عيناي تركزان على الخاتم الذي كان ملقى هناك، مغطى بطين داكن.
الخاتم كان يلمع في الظلام، وكأنه يقول لي: “ها أنتِ هنا مرة أخرى”.
لم أتمكن من الرد عليه، لم أستطع أن أصرخ.
لكنني شعرت بوجوده، بين كل هذا الصمت.
وكأنه يقول لي: “كنتِ تستطيعين أن تختاري”.
وقفت، والشعور بالوهن يجتاحني، وأطلقت نفسي من تلك الغرفة.
استفاقتُ على صوت خفيف، كان “ظل” ينام عند قدمي.
تطلعتُ في المكان، شعرت بشيء غير مريح يعتريني، كما لو أنني لم أستفق تمامًا بعد.
كان المكان هادئًا، والساعات قد مرت.
اتجهت إلى المطبخ بصمت، أعددت قهوتي، ثم وقفت أمام النافذة وأنا أنظر خارجًا بلا هدف.
أطعمت “ظل” كالمعتاد، وهو ينظر إليّ بنظرة مليئة بالطمأنينة، كما لو أنه يدرك تمامًا ما كان يدور في ذهني.
ثم قمت بتشغيل فيلم، لكنني لم أكن أتابعه. كنت أسترجع الحلم، أو بالأحرى، الذكرى التي تعود كلما غبت عن نفسي.
لم أخرج إلى الحديقة منذ أيام، رغم أن الزرع يحتاج إلى الماء.
لم أشعر برغبة في الخروج، حتى الهواء الطلق كان يبدو بعيدًا.
ظلت الأشجار في الزاوية البعيدة، كما لو أنها تراقبني، مثلما يفعل “ظل” دائمًا.
لا شيء يزعجني، لكن لا شيء يجعلني أتحرك أيضًا.
فكرت قليلًا، ثم قلت لنفسي:
“هل هذه هي حياتي الآن؟ فقط الظل والمكان؟ هل أنا محتجزة هنا؟”
ولكنني
لم أعد أموت غدًا! أو حين أتوقف عن التفكير بالأمر، ربما أموت غدًا !
حين كنت أطبخ الغداء، كان “ظل” يتحرك بسرعة كأنه يريد أن يلفت انتباهي!
شعرت بشيء غريب في الطريقة التي كان يتحرك بها. لم يكن مثل عادته المعتادة؛ كان هناك شيء يسرع في صوته، كأنه يحاول إخباري بشيء مهم.
التفتُّ، شعرت بشيء آخر، شيء مرعب. كانت هناك رسالة أخرى من تحت الباب.
رفعتُ حاجبيّ بتساؤل، وضعت الملعقة جانبًا وركضت نحو الباب.
فتحت الباب بسرعة، وصحت بدون تفكير:
– هييي! من أنت؟
لكن لا أحد.
لا أحد في الرؤية.
تنفست بصعوبة، وعيناي تفتش في الفضاء الصامت. ثم أسرعتُ بخطواتي إلى الحديقة.
لم أكن متأكدة من السبب، لكنني كنت أعرف أن هناك شيئًا غير طبيعي يحدث.
أخذت أجول بالقرب بين الزهور الميتة، بين الأشجار، حول العشب اليابس.
لم يكن هناك أثر لأحد.
كيف يمكنه الذهاب بهذه السرعة؟ من عند الباب إلى هنا، بهذه السرعة؟
عدت إلى الداخل، وعيني تلمح الرسالة التي كانت على الأرض.
لكنني شعرت بشيء ثقيل يضغط على صدري. كان قلبي ينبض بسرعة، كأن الرسالة نفسها تحمل شيء خطر.
ترددت للحظة. هل يجب عليّ فتحها؟ ماذا لو كانت شيئًا يكشف عن شيء مروع؟
كنت خائفة. خائفة من أن أكتشف شيئًا لا أستطيع تحمله.
لكنني رفعت يدي، وأخذت الرسالة بصعوبة.
فتحتها ببطء.
كانت الكلمات قليلة، لكن كانت كافية لإشعال المزيد من الخوف في داخلي.
أخذت نفسًا عميقًا وأغلقت عينيّ للحظة. ثم سرت إلى الباب مرة أخرى، أغلقتُه بقوة، ووضعت يدي على قلبث كأنني أخشى أن يطير بعيدًا.
كنت أريد أن أصدق أنني قد تخيلت كل شيء، لكن الشعور بعدم الأمان كان يتسلقني بسرعة، ولم أستطع التخلص منه.
أصابني الإحساس بالاختناق، وكأن الهواء نفسه كان يحتجزني هنا، في هذا المكان الذي بدأ يصبح غريبًا.
تنفست بقوة، ثم سرت إلى المطبخ.
نضج الغداء، والمطبخ ممتلئ برائحته، لكنني لم أستطع التوقف عن التفكير.
هل هذا كله مجرد صدفة؟ أو ربما أنا فقط أعيش في وهم أخلقته لنفسي؟
“ظل” بدا غريبًا اليوم، كما لو أن هناك شيئًا مختلفًا فيه.
لم يعد القط الذي اعتدت عليه. لكنني تظاهرت بأنه لا شيء، وقمت بتقديم الطعام له.
لكنه كان يراقبني، كما لو أنه يريد أن يخبرني بشيء لا أستطيع سماعه.
في تلك اللحظة، شعرت بوجوده أكثر من أي وقت مضى.
هل يمكن أن يكون هذا مجرد ظلال؟ مجرد خيال؟
لا جواب.
فقط الصمت، ومعه السؤال الذي لا أستطيع التخلص منه!
(8)
الماضي المكبوت
كان الجو هادئًا. هو في الزاوية، يقرأ الصحيفة، وأنا في المطبخ، أعدّ العشاء. لا شيء غير الروتين المعتاد، الذي أصبح جزءًا من حياتنا اليومية.
الضوء الدافئ من المصباح يتساقط على الطاولة، يلتقي مع رائحة الطعام الذي بدأ يشبع الجو بنكهاته المألوفة.
كل شيء كما كان، وكأن الحياة تدور في حلقة مفرغة. لكن تحت هذا الهدوء، كانت هناك نظرات متفرقة، كلمات عابرة، وأشياء غير متقاسمة، تحمل بين طياتها تلميحات لشيء أكبر.
بينما كنت أضع الطبق على الطاولة، سمعت صوت خطواته الثقيلة وهو يقترب. رفعت عينيّ، فأبصرت وجهه، وكأن الوقت توقف للحظة.
الطفل كان يلعب في الحديقة، يركض وراء كرة قديمة، ضحكاته تملأ المكان، لكن شيء ما في سكون البيت جعلني أوقف تلك اللحظة في ذهني. لماذا لا أشعر بالراحة؟ لماذا لا أستطيع أن أعيش في هذا السلام؟
فجأة، نظر إليّ وقال بهدوء، وكأن حديثه ليس سوى جزء من الروتين اليومي:
– “أنتِ لا تشعرين بأمر غريب، أليس كذلك؟”
قلت بلا تفكير:
– “ماذا تقصد؟”
هز رأسه قليلًا، وابتسم ابتسامة لا تخلو من غموض.
– “أنتِ تعرفين تمامًا ما أقصد.”
ترددت. هناك شيء في نبرته، في ملامحه، يزعجني. شيء ما تغير، لكن لا أستطيع تحديده.
أنا لم أعد أعرف كيف أتعامل معه. هو زوجي، وكان يعني لي شيء، لكننا أصبحنا غرباء في عالمنا المشترك. كل شيء أصبح ضبابيًا.
ثم تذكرت ذلك اليوم المشؤوم، عندما اختفى فجأة، من دون أن يترك أي أثر.
كان كل شيء طبيعيًا، كما لو أننا نعيش في روتين عادي، في حياة سلمية. لكن لحظة واحدة، وتغير كل شيء.
لا شيء في العالم يمكن أن يجهزك لتلك اللحظة. كيف أن شخصًا يمكنك العيش معه كل هذه السنوات يختفي هكذا، دون تفسير؟
كل شيء توقف في تلك اللحظة، وكأن الزمن نفسه حبس أنفاسه، ينتظر ماذا سنفعل.
الطفل كان لا يزال في الحديقة، ضحكاته تتناثر في الهواء، بينما كان البيت مملوءًا بالصمت الثقيل. لم يكن هناك شيء جديد. كان كل شيء كما كان، ومع ذلك، كأننا نعيش في عالم مختلف، حيث لا شيء يبدو على ما يرام.
وبينما كنت أغسل الصحون، سمعت صوته مرة أخرى:
– “هل تذكرين حين قلت لك أنني لن أسمح لك بالهرب؟”
تجمدت يدي على الحافة، وابتلعني الصمت. لم أعرف ماذا أقول. فكرّت بسرعة، وكأن عقلي ينشغل بمراجعة الكلمات التي قالها، لكنني لم أستطع الرد.
كان يبتسم، لكن تلك الابتسامة لم تكن تفرحني. كانت تثير القلق، تشي بشيء لا أستطيع تحديده.
كنت أرتب الأطباق في الدرج، وفي الوقت ذاته، كان عقلي يطارده. هل كان يحاول إخبارني بشيء؟
هل كان يشير إلى تلك اللحظة التي اختفى فيها؟
لا أستطيع أن أصدق أنني كنت أعيش في نفس المكان الذي اختفى فيه، وأنه كان معنا في هذه اللحظة.
لكن لم يكن هو. لم يعد هو.
حين اقترب مني، مد يده ليأخذني من ذراعي، لكنني تراجعت خطوة إلى الوراء.
كان بيننا مسافة لا أستطيع عبورها. تلك المسافة التي تحولت إلى جدار عاطفي لا يمكن اختراقه.
وكأن الحياة توقفت هنا، لم يعد هناك مكان لعودة الأشياء كما كانت.
فجأة، كأنني سمعت همسات صغيرة، نظرت إلى الباب. كان الباب مفتوحًا قليلاً، ورأيت نظراته المريبة عبر الظلال التي تسلل نور الشارع إليها.
– “هل تذكرين ذلك اليوم؟” قالها بنبرة منخفضة، ومرة أخرى تساءلت:
– “ما الذي تقصده؟”
وهو لم يجيب، لكن عينيه بقيتا ثابتتين عليّ، وكأن هناك سؤالًا ما عالقًا بيننا.
كنت قد بدأت أظن أنني فقدت عقلي تمامًا. هل كانت هذه مجرد ذكريات ضبابية؟ أو ربما كان هناك شيء آخر؟
هل كان يختبئ في زاوية الزمن، يراقبني؟ كيف نعيش في نفس المكان لكن لا نعرف شيئًا عن بعضنا؟
هل كنت أنا فقط من يهرب، أم أنه كان يهرب أيضًا، بطريقة أخرى؟
(9)
الهواء أثقل… والصمت أصدق
استيقظتُ متأخرة من كابوسٍ آخر.
الضوء يتسلّل من خلف الستارة، باهتًا، وكأنّه يخجل من إيقاظ الغرفه.
لم يكن في داخلي ما يشبه البدايات… فقط نهاية طحنتني في الحلم، وتركتني عالقة بين الحقيقة والذكرى.
نهضتُ ببطء.
الأرض خشنة تحت قدميّ، وبرودة الجو لم تكن عادية هذا الصباح.
أشعر أن البيت تغيّر. لا شيء تحرّك فعليًا، لكن الهواء أثقل، وكأنّ شيئًا فيه يعرف ما لم أجرؤ على قوله.
ظلّ كان يراقبني.
عيناه نصف مغمضتين، وكأنّه لم ينم طوال الليل، ينتظرني أستيقظ.
اقترب منّي، التصق بي، دافئًا أكثر من أي وقت مضى.
لم أفهم… هل هو القلق؟ أم الرفقة؟ أم أنه – كعادته – يعلم أكثر مما يُفترض أن يعرفه قط؟
حاولت الانشغال.
نظفت الرفوف، غسلت الأكواب التي لا يستخدمها أحد، مسحت المطبخ مرتين… ثم فتحت الدرج القديم.
ذاك الذي لا أفتحه أبدًا.
يداي تردّدتا، لكنني فتحتُه.
أوراق، قصاصات، أشياء لا تعني شيئًا الآن.
ثم ظهرت الصورة.
وجهه، وجهي، وطفل بيننا لم يكن يعرف شيئًا عمّا ينتظره في هذا العالم.
قلبي لم ينبض… بل توقف، لوهلة.
حاولت أن أضعها جانبًا، لكن يدي تمسكت بها.
بقيت أحدّق فيها طويلًا، وشيء داخلي يتكسّر بهدوء.
لم أعد أعرف من أنا في هذه الصورة.
ولا من هو…
ذلك الذي أظن أنني أحببته، ثم خنقني بابتسامته.
خرجتُ إلى الصالة.
ظلّ تبعني دون صوت، ثم قفز إلى الأريكة.
كان يُلاحقني بنظراته، وكأنّه يريد أن يقول شيئًا، لكنني لم أعد أحتمل حتى الصمت.
قضمت شيئًا من الغداء المتأخر، دون طعم.
ظلّ لم يأكل، لم يموء، فقط جلس هناك، كأنّه ينتظر شيئًا مثلي تمامًا.
اقتربت من الباب، أنظر تحته كما أفعل كل يوم.
لا شيء.
ارتحت؟
ربما.
لكن شيئًا ما داخلي لم يصدق تلك الراحة.
عدت إلى غرفتي.
أخرجت الصندوق الصغير، فتحت الدفتر، وقبل أن أبدأ بالكتابة سمعت مواء خافتًا، متوتّرًا… كأنه تحذير.
التفتّ بسرعة.
ظلّ واقف قرب الباب، ذيله مستقيم، وصوته حاد… ثم نظر نحوي نظرة لا أنساها.
انخفضتُ، نظرت تحت الباب.
هناك.
رسالة.
جفّ حلقي.
لم أفتحها فورًا.
جلست على الأرض، والرسالة في يدي، أراها كأنها قنبلة صغيرة موقوتة.
“لماذا الآن؟
لماذا بعد هذا الحلم؟
هل يعرف؟
هل أحد… يراقبني؟”
ظلّ جلس أمامي، لا يرمش.
كأنّه ينتظر القرار.
أخيرًا، فتحتها.
لم تكن طويلة.
جملة واحدة، كُتبت بخط أنيق:
“الذاكرة لا تموت، لكنها تُقتل ببطء.”
حدّقت فيها طويلًا.
لم أستطع التنفس.
نهضتُ، فُتحت الباب، خرجت كأنني أُطارد شيئًا.
نظرتُ حولي… الحديقة، الأشجار، الأرض الرطبة.
لم يكن هناك أحد.
ركضت حافيةً بين الزوايا، قلبي يدقّ بعنف، أصرخ:
– “هيي! من أنت؟! لماذا تفعل هذا؟!”
لا جواب.
كل شيء صامت.
عدتُ للمنزل، قلبي بين يديّ، و”ظلّ” خلفي، لا يسبقني بخطوة.
جلست.
شغلت فيلمًا.
أي شيء يُخرس عقلي.
لكنني لم أشاهد شيئًا.
الصوت كان مجرد ضجيج بعيد.
لم أخرج للحديقة منذ أيام، والآن لا أجرؤ.
أطعمت ظل، مسحت على فروه، لكنه لم يأكل.
تسلّق رجلي، جلس على صدري، يراقبني.
بكيت.
بلا صوت، بلا مبرر واضح.
فقط شعرت أن كل شيء سينهار قريبًا.
ونظرت إليه…
وقلت بهمسٍ مرتجف:
– “لم أعد أموت غدًا… أو حين أتوقف عن التفكير بالأمر… ربما، فقط ربما… أموت غدًا.”
خَلد ظل للنوم … وأنا لم أنم تلك الليله.
(10)
إنها الواحدة ظهرًا.
اليوم هو الجمعة، الثامن والعشرون من أبريل.
هذا ما تقوله الساعة التي أحضرها مطر حين جاء.
سيأتي اليوم غالبًا، آمل أن يأتي…
في الحقيقة، لم أكن متأكدة فيمن أردته أن يأتي…
أهو مطر؟ أم ذاك الآخر الذي يترك رسائله خلف الباب؟
ربما أردتهما معًا، وربما لا أحد… فقط ظل.
لم أخرج منذ أيام. الحديقة لم ترَ قدميّ منذ أن نبت العشب من جديد.
صنعت فطورًا باهتًا، أطعمته لظل، ثم جلست بصمتٍ يشبه صوتي الداخلي.
عند الثانية ظهرًا…
دقّ الباب.
قمت دون تفكير، كنت أعرف أنه مطر.
فتحت.
دخل دون أن يقول شيئًا.
وضع الأغراض على الطاولة، ثم قال وهو يُخرج شيئًا صغيرًا من جيبه:
– فكرت في أن الساعة السابقة كانت بشعة… هذه أفضل.
نظرت إليها. سوداء، بسيطة، ثقيلة على المعصم.
– تظن أني ما زلت أحتاج للوقت؟ أنا أعدّ الأيام كأنها خطايا، يا مطر.
– لا تتصرفي كأنك ميتة.
– ميتة؟ لا، لا. الميت لا يتنفس هذا الرعب كل ليلة!
اقترب، نظر إلى ظل وهو يتمدد في الزاوية، ثم قال:
– تحسّن شكله، يبدو مرتاحًا.
– طبعًا يعرف أنك لم تشتره لي، لذا لا يخاف، عكسك تمامًا.
تنهد، ثم قال:
– أنتِ متوترة.
– لا، أنا لست متوترة… أنا أعيش مع شبح، مع ذنب، مع رسائل تظهر وتختفي. وأنا مجرمة يا مطر، أنت من دفنني هنا!
تجمدت ملامحه.
– شمس… لا تفتحي هذا الباب.
– أي باب؟ باب الحقيقة؟ باب الجريمة؟ باب الروح الذي دفناها معًا؟!
صرخ:
– كفى! قلتُ لك إننا لم نكن نملك خيارًا!
– بل كنتَ تملك! كنت تستطيع أن تبلغ الشرطة، أن تأخذني إليهم، أن تنقذني من نفسي!
صرخت أكثر، ودفعت الكرسي بقوة حتى اصطدم بالجدار.
انهارت طاولة القهوة، سقطت عليها ساعة الحائط الصدئة وانكسرت.
– لا تتهميني بما فعلتِه بيدك!
– فعلتُه من أجلنا أنا وابني!
– قتلتِ زوجك! أمام أعين الطفل! ثم تركتِه يموت لأنه لم يكن هناك أحد… أحدٌ سواكِ!
سقطت يداي.
انكمشتُ.
بكيت.
– سامحني…
– أنا أسامحك كل ليلة، يا أختي. لكنكِ لا تسامحين نفسك. ولا تتركيني أقترب.
رفع معطفه.
أدار ظهره.
قال بصوت مهزوز:
– إن بقيتِ هكذا، ستفقدين عقلك. أنا أساعدك، لكنكِ… لا تريدين أن تُنقذي.
فتح الباب.
– مطر!
– ماذا؟
– هل… هل أخبرت أحدًا بمكاني؟
– مستحيل.
– إذًا من يرسل الرسائل؟
صمت لحظة، ثم خرج.
تركت الباب مفتوحًا، جلست على الأرض وسط الزجاج المتناثر.
ظل اقترب، لعق يدي المرتجفة.
لم أضمه هذه المرة.
الساعة محطّمة.
والوقت… لا يعني شيئًا.
همست:
– لم أعد أموت غدًا… أو حين أتوقف عن التفكير بالأمر… ربما… أموت غدًا!
وفي غمرة ذهولي، خرج “ظل” من الباب. لم أنتبه. وحين رفعت رأسي… لم يكن هناك.
(11)
حين انكسر كلّ شيء
استيقظتُ على صوته وهو يغلق الباب بعنف.
لم أنظر إليه. لم أسأله أين كان. لم أعلّق على العطر الرخيص الذي غلّف المكان، ولا على فتات البودرة المتناثرة على ياقة قميصه.
لم أعد أملك حتى الرغبة في الغضب.
كنت أُعدّ الفطور كما أفعل كل يوم. بهدوءٍ غريب، كأني خارج جسدي.
المقلاة فوق النار، والبيض لا يتوقف عن الفرقعة… مثلي تمامًا.
جلس على الكرسي المقابل، دون أن يتكلم.
نظر إليّ نظرة ساخرة، ثم مدّ يده لفنجان القهوة وعبث بهاتفه ببرود.
قال فجأة:
– تعرفين؟ عيناكِ لا تزالان تخونانكِ…
لم أجب.
ضحك بخفّة مقرفة، ثم أكمل:
– كنتِ تحبينه، أليس كذلك؟
رفعت نظري إليه. لم أنكر، ولم أُقرّ.
– كنتِ تحلمين أن يكون هو والد طفلك… أليس كذلك؟
ابتلعت غصتي، وواصلت تقليب البيض.
وقف فجأة، واقترب.
شدّ ذراعي بعنف، وقال بصوتٍ منخفض:
– لكني كنتُ الأسبق… أنا فقط من كتب اسمه على جسدك!
صرخت:
– ابتعد!
دفعته، فتراجع خطوة.
لحظة صمتٍ ثقيلة.
ثم عاد يقترب، أكثر عنفًا، كمن يريد أن يثبت شيئًا لا يُثبت.
لكن خطوات خفيفة قطعت الجو المشحون.
نزل “سهيل” لتناول الإفطار، شعره ما يزال مبللًا.
قال بدر بصوته العادي جدًا، كما لو كان يتحدث عن موعد فيلم:
– بعد المدرسة، اذهب إلى بيت جدتك. أريد أن أقضي مع أمك وقتًا… نقرّر أشياء.
التفتُّ نحوه بعينين منطفئتين.
– بدر، لا—
أشار بيده أن أصمت.
وصمتُّ.
لم يكن طلبًا، ولا تهديدًا. كان أمرًا، كمن رتب لكل شيء سلفًا.
حين أوصله إلى الباب، استدار فجأة نحوي، ابتسم ابتسامة خبيثة وقال:
– هل كنتِ تخطّطين معه لتسمّوا ابنكم سهيل؟
ضحك، ضحكة قصيرة خبيثة، ثم خرج.
الباب أُغلق بهدوءٍ، لكن الصوت ارتطم في صدري كصخرة.
اختفى صدى خطاه من الممر، وسقط على البيت صمت كثيف لا يُحتمل.
كل شيء توقف… حتى الهواء.
الساعة على الحائط أعلنت السابعة وثلاثة عشر دقيقة صباحًا.
جلست على الكرسي، كما لو أن الأرض تتمايل تحتي.
وضعت يديّ في حجري، أحدّق في اللاشيء.
مرّت ثوانٍ؟ دقائق؟ لا أعلم…
مددت يدي ببطء نحو الهاتف، وضغطت على اسم “مطر”.
رنّ… مرة، اثنتان، خمس. لا رد.
أعدت الاتصال. مرتين… ثلاثًا. دون جدوى.
– لماذا لا ترد يا مطر؟ لماذا الآن؟
شيءٌ ثقيل كان يخنق المكان…
نظرات بدر، صوته، كلماته… كلها كانت تقول: “أنا أعلم”.
صارت عيناه مرآةً مقلوبة، أرى فيها أشياء أخفيتها حتى عن نفسي.
قمتُ أتجول كأن المكان ضاق بي.
المطبخ، الممر، غرفة سهيل…
حتى رائحة امرأة مرّت من هنا أمس ما زالت عالقة.
صَغيري سُهيل قال إنها خرجت عند الفجر.
لم أسأله. لم أعاتب أحدًا.
كنت أتقيّأ الكراهية داخلي.
فتحت الثلاجة وأغلقتها. رتبت الصحون وهي مرتبة.
جلست، وقفت.
تأملت المرآة…
– أين أنا؟ ماذا أفعل هنا؟
سؤال تردّد داخلي ألف مرة، لكن لأول مرة لا أملك له جوابًا.
عدت للهاتف.
مطر لا يرد.
– لو أجبتني فقط… ربما لم يكن ليحدث شيء.
كتبت على ورقة صغيرة:
“إن لم أخرج اليوم… فاعرف أنني حاولت.”
وضعتها تحت علبة المناديل.
حدّقت فيها طويلًا، ثم نهضت.
دخلت الغرفة، أغلقت الباب.
…
في الخارج، كان عصفور يزقزق وحيدًا.
وفي الداخل، كان الصمتُ يتضخّم… ينتظر أن ينفجر.
جلست على طرف السرير، يداي في حجري، ووجهي في الظل.
كل شيء ساكن، حتى أنفاسي بدت بعيدة.
نظرت إلى الورقة التي كتبتها، ثم إلى الباب.
همست لنفسي، بصوت لا يسمعه أحد:
– ربما… سأموت غدًا.
(12)
لحظة النهاية
كنت جالسة في ركن الغرفة، قلبي ينبض بسرعة، وذهني يعج بالأفكار المتضاربة، بينما كان بدر يقف أمامي، سيجارته في فمه تنفث الدخان في الهواء، كأنها تمثل كراهيته لي. كان يراقبني بعينيه المليئتين بالخبث.
- اجلسي.
أوامره كانت دائمًا قاسية، لكنها هذه المرة كانت أكثر برودة. جلست على الكرسي أمامه، وكل ثانية كانت تمر كانت تكثف من شعوري بالاختناق.
نظراته كانت تقطعني، ثم قال بصوت منخفض محمّل بالغضب:
- ماذا حل بك؟ أصبحتِ كريهة، لا تُطاق، لا يُعاش معكِ.
كان كلامه يجرحني أكثر من أي وقت مضى، لكنه كان يثير بداخلي مشاعر الاشمئزاز. لم أتمكن من الرد عليه، فقط أصمت وأنا أتمنى أن ينتهي هذا الكابوس.
أطفأ سيجارته بيده، ثم اقترب مني، وأنا ابتعدت عنه بلا وعي. لكن قبضته كانت أسرع من خطواتي، فحطّت على فخذي بقوة.
- هكذا أصبحت بعد أن علمت أن قلبك ليس لي.
- ماذا تقصد؟
سألته بصوت يكاد يخونني.
نهض فجأة وكأن غضبه انفجر دفعة واحدة. صوته صار أعلى وأكثر قسوة:
- أنتِ ما زلتِ تحتفظين برسائله وصوره؟ في حين أنني كنت أموت حبًا وشوقًا لكِ، كنتِ روحًا لشخص آخر؟
لم أتمكن من الرد عليه. كلماته كانت تسحبني إلى أعماق من الألم، كل كلمة أشد من سابقتها. كانت كالسكاكين في جسدي.
ثم أمسك بوجهي ليرغمني على النظر إليه مباشرة وقال بلهجة ساخرة:
- أنتِ لستِ إلا حيوانًا وقحًا، تنامين مع شخص، لكن قلبك مع شخص آخر.
فجأة، شعرت بدفعة من الغضب، وعادت قدماي إلى الوراء بشكل غير إرادي، وصراخي كان خارجًا بشكل لا يمكنني السيطرة عليه.
- راقب كلماتك، ماذا تقول؟
لكنه لم يعطِ لي فرصة للرد. اقترب مني أكثر، وألصق جسده بجسدي وقال بتحدٍّ:
- لكن أنتي لي، تكونين لي رغماً عنكِ، لتتعذبي. وسأعاشر عشر نساء غيركِ. وإذا اكتشف أحد هذا، سيلومونكِ! ههه! تخيلي! سيلومونكِ! سيقولون: إنها لا تحسن معاملة زوجها، هي تستحق ما يحصل لها! من سيدافع عنكِ؟ أخاكِ الذي باعك لي؟
تساقطت دموعي، وكأن الكلمات لا تعني فقط الإهانة بل كانت تقطعني. ثم اقترب مني أكثر، شَدَّني إليه وقال بصوت خفيض:
- إياكِ والبكاء، البكاء للمظلوم، وأنتِ ليستِ سوى واحدة بلا شرف.
حاول أن يزيل ثيابي، لكنني قاومت بكل ما أستطيع، وكل جزء من كياني كان يصرخ كي أهرب من هذا الموقف، لكنني لم أتمكن. تراجعت خطوات قليلة إلى الوراء حتى اصطدمت بالأريكة، سقطت فوقها، وهو ألقى بنفسه فوقي. كان جسده ثقيلًا عليَّ.
في تلك اللحظة، لم أعد أحتمل، شعرت وكأنني سأفقد عقلي. نظرت حولي، ثم رأيت المصباح الحديدي على الطاولة بجانب الأريكة. في لحظة واحدة، أمسكت به بكل قوتي، وضربته على وجهه.
انفكّ عني لحظة، لكنه عاد ليحاول مجددًا، فما كان مني إلا أن استمريت بالضرب. ضربتُه مرارًا وتكرارًا، حتى توقف عن المقاومة، حتى سقط مغشيًا عليه على الأرض.
سقط بدر على الأرض، ساكنًا لا يتحرك. يداي ترتجفان، المصباح ما زال بين أصابعي، ثقيلًا ودافئًا بدمه. نظرت إليه، وجهه… لم يكن يبدو حيًا. لم أصرخ، لم أبكِ. فقط وقفت هناك، أتنفس ببطء، وكأنني أخرج من أعماق غرق طويل.
• “لا… لم أقصد… لم أقصد هذا…”
تمتمت بها بصوت خافت، وأنا أحدّق في جسده الممتد ككتلة صمت في وسط الغرفة.
اقتربت منه خطوة، ثم تراجعت أخرى.
• “انهض… بالله عليك، قل لي أنك فقط أغمي عليك…”
لكن لا شيء. لا حركة. لا صوت.
جلست على الأرض، ظهري للحائط، وجسدي يرتجف من شدة البرد… أو الخوف… أو الصدمة، لا أعلم.
أنا قتلته؟
قتلت بدر؟
أنا… مجرمة؟
وضعت يدي على فمي، محاولة خنق شهقة خرجت من داخلي، ودموعي بدأت تنهمر، ليس لأنه مات… بل لأنني بدأت أشعر بشيء آخر… شيء أبشع من الندم.
الهدوء.
نعم، شعرتُ بالهدوء.
وكأن ثقلاً انزاح عن صدري. كأنني أخيرًا تنفّست.
وهنا ارتعبت.
• “لا… لا! لا يمكن… لا يجب أن أرتاح!”
قلت بصوت مرتجف وأنا أدفن وجهي بين يدي.
كيف لي أن أشعر بالراحة بعد كل هذا؟
أي نوع من الوحوش أنا؟
أي قلب يسمح لصاحبه أن يتنفس براحة بعد أن ينتهي كل شيء بهذه الطريقة؟
ربما… ربما سأموت غدًا.
لكن الليلة، الليلة فقط… سأخاف من نفسي أكثر مما خفت منه يومًا.
(13)
استيقظت مع بداية الصباح، عيني ما زالت ثقيلة من النوم،
لكن شيء غريب كان يراودني، شعور ضبابي لا أستطيع تجاهله.
بحثت بعيني في الغرفة حولي، كانت خالية. لم أجد “ظل” في مكانه المعتاد،
حيث كان دائمًا يقف هناك، قرب النافذة أو عند الأريكة.
قلبي بدأ ينبض بشكل أسرع، وغمرني خوف غريب. تذكرت كيف كان يختفي فجأة،
وأشعر بالفزع، ثم يعود فجأة وكأن شيئًا لم يكن.
هبطت من سريري بسرعة وركضت إلى الحديقة. عيني تبحث عن ظله بين الأشجار والأزهار. لعلَّه هنا، كما كان يفعل دائمًا، يختبئ في أحد الزوايا المظلمة. كنت أركض، وكأنني أبحث عن جزء من نفسي، لكن الحديقة كانت خالية، وصمت المكان كان أكثر ثقلاً مما يمكن تحمله.
“ظل!” ناديت بصوت مرتجف، لكن لا أحد يجيب. لا شيء يجيبني. شعرت بتلك الدموع الحارقة تتجمع في عيني، لكنني لا أستطيع إيقافها. لماذا اختفى هكذا؟ لم أعد أستطيع التنفس بشكل طبيعي، وكانت ضربات قلبي تتسارع أكثر فأكثر.
رجعت إلى المنزل بخطوات ثقيلة، مثل شخص يفقد شيئًا مهمًا ولا يمكنه استعادته. كل شيء كان كما هو، المنزل بارد، وصمت النهار يحيط بكل شيء. دخلت المطبخ، وبدأت أؤدي الروتين اليومي كالمعتاد، كأن شيئًا لم يحدث، ولكن في داخلي كانت هناك فوضى كبيرة. كأنني أعيش في دوامة لا أستطيع الخروج منها، وتلك الفكرة المزعجة أنه اختفى، بدأت تتغلغل في أعماقي.
اليوم مرَّ كأي يوم آخر، روتيني الممل والمكرّر. لا جديد. لا حياة. لا “ظل”. كانت تلك اللحظات التي قضاها اختفاءه هي أكثر لحظات حياتي ضعفًا، وأقلها احتمالية.
لكن مع مرور الوقت، وعندما اقترب المساء، شعرت بشيء غريب، شيء يلامس قلبي. وعندما فتحت نافذة غرفتي، وجدته هناك، يقف في الظلام، كما لو كان يراقبني. عادت الهمسات إلى قلبي، ولكنني، رغم تلك الراحة المفاجئة، شعرت بشيء آخر غريب، شعرت وكأنني ارتحت. كيف لي أن أرتاح وهو يعود بعد أن اختفى؟ لم أكن أعرف كيف أفسر هذا الشعور. كنت بحاجة إليه، لكنني أيضًا كنت أخشى أن أتعلق به أكثر.
(14)
هل ارتحتِ الآن؟
عدتُ إلى البيت في ذلك المساء أجرُّ قدمي كمن يحمل نعش قلبه. كنت قد وجدت ظل، نعم… أخيرًا عاد. لكن العودة لم تكن كما توقعت، لم تكن فرحًا كاملاً، بل كانت مربكة. شيء بداخلي لم يستطع أن يفرح، وكأن غيابه فتح نافذة لم أعد قادرة على إغلاقها.
ظل الآن مستلقٍ في ركنه المفضل، ينظف فراءه بهدوء، وكأن شيئًا لم يحدث. وأنا؟ كنت أتأمله كما لو كنت أبحث عن إجابة. لماذا كل هذا الارتباط به؟ ولماذا شعرت أنه يشبهه؟ يشبه صاحب الرسائل… يشبه الغائب الذي لا أجرؤ على تسميته.
“هل ارتحتِ الآن؟”
صوت داخلي يسألني بإلحاح.
لا أجد إجابة.
دخلت المطبخ، فتحت الماء، وبدأت أغسل الصحون التي لم تكن متسخة أصلًا. هو الروتين إذًا؟ هو ما يجعل الحياة تبدو مقبولة؟ لا أدري، لكني استمريت، حتى سمعت صوت جرس الباب. لم أفكر كثيرًا، كنت أعلم أنه مطر.
فتحت الباب، وها هو واقف، يحمل كيسًا صغيرًا بيده، ونظرة عتاب لا تحاول أن تخفيها.
قال دون أن ينتظرني أدعوه للدخول:
– “كيف حالك؟”
أجبت بفتور:
– “بخير… تفضل.”
جلس في الصالة دون أن يخلع حذاءه، تصرفاته دائمًا فيها نوع من التوتر، كأن الأرض ليست ملكه.
– “ظننتك لن تأتي مرة أخرى هذا الأسبوع…”
– “ليست من عادتي، أعلم.”
– “لماذا أتيت إذًا؟”
– “غدًا عيد ميلاده، لا أريد أن يمر اليوم مثل باقي الأيام.”
سكتُّ، وكأن كلماته صفعتني. لم أعد أذكر كم مرّ من الأعياد التي نسيت أن أعدّها. أعياد سهيل… صغيري.
لم أستطع الرد على الفور، كان كلامه كالسيف الذي قطع سكون قلبي. همست بهدوء:
– “سيصبح عمره خمسة عشر عامًا.”
أخرج من الكيس صورة. لم أكن مستعدة لها.
كانت صورة لسهيل، يقف بجانب شجرة في الحديقة، يبتسم ابتسامة مائلة وهو يرتدي سترة زرقاء، تلك التي كان يحبها كثيرًا.
أعطاني الصورة، ثم أخرج من جيبه علبة صغيرة، فتحها بصمت، وناولني إياها.
كانت بداخلها سلسلة نحاسية، فيها حرف “س”، قديمة، مكسورة عند طرفها، كنت أذكرها… كان يرتديها حين كان عمره أربع سنوات، وكنت أظن أنه أضاعها للأبد.
نظرت إلى السلسلة، ثم إلى مطر، وقلت بصوت مبحوح:
– “أين وجدتها؟”
ردّ وهو يبتسم ابتسامة خفيفة:
– “كنت أحتفظ بها… لم أعرف لماذا، لكن الآن فهمت.”
لم أستطع حبس دموعي. بدأت تنهار مني واحدة تلو الأخرى، كأنها لم تكن تحتاج سوى فتحة صغيرة لتجتاحني كالسيل.
– “هل تظن أنه كان سعيدًا؟”
– “كان… يحبك كثيرًا، حتى في أسوأ أيامكم، كان يقول لي دائمًا إنه يريد أن يكبر ليصبح طبيبًا و يعالجك.”
ضحكت، ضحكة مكسورة، ثم اختنقت.
– “وماذا عنك؟ لماذا لم تدافع عني؟ لماذا لم تفعل شيئًا؟”
نظر إليّ بصمت، نظرته كانت كمن يرى الجرح ولا يعرف كيف يمد يده.
– “ظننت أنكِ أقوى من كل هذا… لكني كنت غبيًا، كنت أظن أنك ستتحملين مثل أمي، وجدتي… نساؤنا دائمًا يتحملن.”
هززت رأسي وقلت:
– “لم أكن قوية… كنت خائفة فقط.”
ساد الصمت. ثم ضحك فجأة، ضحكة قصيرة.
– “تتذكرين حين كنا نهرب من المدرسة لنلعب تحت الجسر؟ كنت دائمًا تخافين، وكنت أنا أتحمل العقاب.”
ابتسمت رغم الدموع.
– “وكنت دائمًا تتفاخر أنك لم تبكي.”
ابتسم هو الآخر، ثم وقف.
– “لا أستطيع البقاء، لدي أشغال كثيرة فجرًا.”
رافقته إلى الباب، لم أودعه، فقط وقفت أنظر إليه. وعندما وصل إلى العتبة، التفت إليّ، نظر إليّ نظرة طويلة، حزينة، كأنها وداع لا يريد أن يعترف به، ثم قال بصوت هادئ:
– “اعتني بنفسك، شمس.”
ثم أغلق الباب خلفه.
جلست على الأرض، احتضنت الصورة والهدية، وانفجرت بالبكاء.
هل ارتحتِ الآن؟
ربما… لكن ما يخيفني حقًا، أنني بدأت أشعر بالراحة فعلاً.
(15)
“إلى متى ستظل الذكريات تعذبنا؟”
استيقظت هذا اليوم، وكان شيء غريب يشع في داخلي. شعرت بشيء من السكينة لم أشعر به منذ فترة طويلة. الشمس كانت تتسلل من النافذة وتلامس وجهي بلطف، كما لو كانت تخبرني أن كل شيء سيكون على ما يرام. رغم أن قلبي ما زال يخبئ الكثير من الآلام، شعرت ببعض الهدوء.
في المطبخ، قررت أن أصنع لنفسي فطورًا مختلفًا عن المعتاد. كعكة بالكريمة، كانت الفكرة عابرة، لكنني أردت أن أحتفل بهذا الصباح. وضعّت صورة سهيل على الطاولة، وكانت عيناي تلتقطان كل تفاصيل تلك الصورة كأنني أراه أمامي. لا أدري، لكنني شعرت أنني بحاجة إلى شيء يربطني به، شيء يجعلني أعيش لحظة من الفرح مع ذكرى كان يملؤها الأمل.
ظل كان يلهو حول قدميّ، يقفز هنا وهناك كما لو كان يدرك أنني في حاجة إليه. كان هذا القط، الذي اخترته منذ وقت طويل، هو رفيقي الوحيد في هذا العالم الموحش. كان وجوده يذكرني ببعض الهدوء الذي كنت أفتقده منذ فترة طويلة.
وفي اللحظة التي كنت أغرق فيها في هذه الفوضى الصغيرة من الهدوء، شعرت بشيء غريب عند الباب. نظرت فجأة ورأيت ورقة بيضاء تحت الباب. كانت رسالة. لم يكن أحد غيري في هذا المنزل، ولم أسمع صوتًا، ولكن الورقة كانت هناك، وكأنها كانت تنتظرني.
ترددت للحظة، ثم اقتربت منها ببطء. كنت أعرف أن هذه الرسالة لن تكون رسالة عادية، لقد أصبحت معتادة على رسائل الشخص المجهول. أيدينا لم تلتقِ، لكن رسائله كانت دائمًا ما تجد طريقها إليّ، وتغرز في قلبي شظايا خوف وألم.
فتحت الرسالة بيدين مرتجفتين، وكانت الكلمات كما توقعت، تحمل طيفًا من الألم، وبصمات الماضي. كان الشخص المجهول قد عاد من جديد، وأرسل إليّ شيئًا آخر، شيئًا من الماضي الذي طالما حاولت الهروب منه.
أمسكت بالورقة وجلست على الأرض، كانت يداي ترتجفان رغم محاولتي أن أبدو قوية. كنت أعرف أن الكلمات التي بداخلها لن تكون سهلة، لكنها هذه المرة بدت مختلفة… أكثر هدوءًا، لكن أشد وقعًا.
فتحت الرسالة ببطء، وبدأت أقرأ:
“هل ارتحتِ الآن؟”
“أتعلمين، كنت أراقبك حين بحثتِ عنه، ظلّك، وكأن شيئًا فيك قد كُسر ثم عاد ليلتئم. لكنه لم يلتئم كالسابق، بل تغير شكله، شكلك. أكنتِ تبكينه؟ أم تبكين ما يشبهه؟”
“جميعنا نظل نبحث عن صورة قديمة من حبٍ دفنّاه بأيدينا. ظل لم يكن قطّ قطًا عادياً، ولا كان محض رفيق وحيد. ظل كان انعكاسًا لذاك الطفل، سهيل… ذاك الذي ظلّ عالقًا فيك رغم مرور الأعوام.”
“اليوم سيُكمل الخامسة عشرة. خمسة عشر عامًا من الصمت، من الانتظار، من الرسائل التي لم تُقرأ، من الأعياد التي مرّت دون هدايا.”
“لم أكن أرسل لكِ رسائل كي أؤذيك. بل لأذكّرك… أن هناك قلبًا صغيرًا لم يأخذ فرصته في الحياة، وأن هناك امرأة، اسمها شمس، ما زالت تخاف من الضوء.”
“سؤالي واحد فقط، وسأرحل بعده:
هل ارتحتِ الآن؟”
سقطت الورقة من يدي.
لم أبكِ في اللحظة الأولى… كنت فقط أحدّق في نقطة لا أعلم أين تقع، كأنني أهرب من جدار انهار داخلي فجأة. ظل جاءني ليحمل أكثر من روح، أكثر من ذكرى، أكثر من خفقة ميتة.
أشعر الآن، وكأن روحي ترتجف، لا من الخوف، بل من أنني، ولو للحظة…
ارتحت.
(16)
قَبل أن يبلعنا التراب
وصل مطر بعد دقائق لم أشعر بها. كنتُ في حالةٍ من الفراغ، أقف أمام النافذة المفتوحة، وعيناي لا ترى إلا تلك البقعة الداكنة على السجادة، موضع الجسد الذي لم أعد قادرة على تسميته باسمه.
وحين فتحت الباب بقوة، دخل متسارع الخطى، عيناه تجولان في الغرفة كأنها تحاول تصديق ما وصله.
ـ “ماذا حدث؟!”
أشرتُ بصمت ناحية غرفة الجلوس، لا قدرة لي على الحديث.
دخل، ثم تجمّد. سمعته يتمتم بشتيمة، ثم رفع عينيه إليّ.
ـ “ماذا فعلتِ؟!”
ـ “كان سي… كان سيؤذيني. كان يعلم بشأن باسل…”
قلت اسمه، فشعرت بالدم في عروقي يتجمد. باسل. الاسم الذي دفنته داخلي منذ زمن.
تقدم نحوي، صوته يمزق السكون:
ـ “هل جننتِ؟ هل فقدتِ عقلك؟!”
صرختُ فيه وأنا أرتجف:
ـ “أنت من أجبرني عليه! أنت من باعني له، فقط لأنني أحببتُ!”
ـ “كنتِ طفلة لا تعرفين شيئًا!”
ـ “لكنك كنت تعرف، ومع ذلك دفعتني له كما يُدفع الحمل للذبح.”
سكت. لم يقل شيئًا. ثم مشى نحو الجثة، انحنى عليها برهة، ثم استقام.
ـ “يجب أن يُدفن قبل أن يحس أحد.”
ارتجفت. ـ “ماذا؟!”
ـ “سنأخذه للحديقة. وننهي الأمر الليلة.”
ـ “لا… لا! يجب أن نبلغ الشرطة! مطر… يجب أن نخبرهم، سيصدقونني، أقسم لك سيصدقونني!”
التفت نحوي بحدة، عينيه لم أرهما بتلك القسوة من قبل، اقترب وخاطبني بنبرة لا تعرف الرحمة:
ـ “كنتِ فكرت، قبل أن تقتليه. الآن صرتِ جثة تمشي. افعلي ما أقوله، وإلا، وربي لتكوني في القبر قبله.”
صفعني. صفعة أطفأت كل ذرة تمرد داخلي، كل محاولة للعقل.
حركتُ رأسي موافقة، لا أعلم كيف.
وسحبناه معًا. كان ثقيلاً بشكل مروّع، وكلما تحركت الجثة، سمعت صوت العظام والجلد يُسحقان، وكأن الموت يضحك عليّ. دفناه تحت شجرة الزيتون اليابسة، كانت الحفرة ضيقة، وقلبي أضيق.
ساعدني مطر في تنظيف الدماء، كأن شيئًا لم يحدث. كأنني لم أصرخ ولم أضرب ولم أُغتصب عاطفيًا قبل أن يُقتل الجسد.
جلستُ على الأرض، ظهري للحائط.
سألته بصوتٍ خافت:
ـ “لما دفنته؟”
أجاب دون أن ينظر إليّ:
ـ “لنكسب الوقت.”
ـ “الوقت؟ لماذا؟”
اقترب، جلس بجانبي، ومسح عرقه:
ـ “لأخبئك في مكان لا أحد يجدك فيه.”
نظرتُ إليه، قلبي يتقطع:
ـ “وسهيل؟”
طال الصمت، ثم قالها بقسوة هادئة:
ـ “انسيه.”
ظلت تلك الكلمة ترن في رأسي كصفارة موت. انسيه.
لكن، كيف يُنسى قلبٌ وُلد منك؟ كيف يُنسى سهيل؟
نظرت إلى يديّ، ما تزالان ترتجفان. شعرت بداخل صدري ثقبًا، كأن روحًا كاملةً قد نُزعت مني. لا أعلم من أنا بعد هذه الليلة، لكن الأكيد أنني لستُ شمس القديمة.
أنا امرأة دفنت زوجها، وقلبها، وحياتها… تحت تلك الشجرة.
(17)
أحملني الطريق بعيدًا عن نفسي
لم أعد أذكر كم من الوقت مضى ونحن نغادر المنزل.
كل شيء انزاح خلفنا، حتى أنفاسي شعرت بها تتشبث بالستائر، بالجدران، بظل سهيل… لكن مطر دفعني للخروج كما لو أنني جثة أخرى يجب التخلص منها.
قاد السيارة بصمت.
الطريق أمامي كان ممتدًا، طويلاً، خاليًا من أي علامة حياة. السماء رمادية، والحقل من حولنا بدا كقبر مفتوح لا نهاية له.
لم أنظر إليه. اكتفيت بالنظر من النافذة، إلى وجه الشمس الذي كان يهرب كلما اقتربنا أكثر من المجهول.
عقلي كان فارغًا، لا صور، لا مشاهد، لا صوت سوى صوت أنفاسي.
كان هذا أول مرة أشعر فيها أنني… خفيفة.
وهذا ما أرعبني.
هل يُفترض أن أرتاح بعد القتل؟
هل كنت أبحث عن هذا الصمت من البداية؟
وصلنا إلى المكان بعد ساعة.
منزل صغير مهجور، بنافذة واحده، بابه مخلوع ويبدو أن أحدهم حاول إصلاحه بقطعة حديد صدئة.
الأرض مليئة بالغبار، وبرائحة العزلة.
تقدّمت بخطوات بطيئة.
قال مطر بصوته الحاد:
– ستبقين هنا.
– إلى متى؟
– حتى أقرر.
لم أسأله عن التفاصيل.
لم أملك القوة.
تقدمت وجلست على الأرض.
البيت خالٍ من الأثاث، من أي مظهر للدفء، لكن لم أشتكِ.
مطر ظل واقفًا، ينظر إليّ كما لو أنني عار لا يعرف كيف يغطيه.
أردت أن أشكره لأنه ساعدني، أردت أن أكرهه لأنه دفن بدر بيديه، أردت أن أبكي… ولم أفعل.
ثم تكلمت.
– مطر…
– ماذا؟
– لم أخبرك كل شيء.
رفع رأسه فجأة.
نظراته كانت مثل خنجر.
– ماذا تقصدين؟
– لم أكن وحدي ذاك اليوم.
سكتّ.
لم أعرف كيف أشرح الأمر… لم أعرف حتى إن كنت قد تخيلت ما حدث أو أنني فعلاً رأيت تلك الحركة، تلك الظلال، ذلك الوجه خلف الشباك.
لكنني واصلت، بصوت مخنوق:
– أحدهم… رأى ما فعلت.
– ماذا؟
– رأى قتلي له. كان هناك. شعرت به يراقب، ربما سمع كل شيء… أنا لا أعرف من هو، لكنه هناك.
وقف مطر بسرعة، ضرب الجدار بقبضته، ثم اقترب مني بعنف:
– لماذا لم تخبريني؟
– كنت خائفة…
– والآن تخبريني؟ بعد أن دفنت الجثة وسويت المكان؟ بعد أن غسلت الدم من الأرض؟ هل تريدين قتلي أيضًا؟
سكتُّ.
ثم تمتمت:
– لا… أريد فقط أن أعرف… هل ارتحتُ الآن؟
صمت مطر للحظات، ثم ابتعد عني وهو يركل كومة من الحصى بجانبه.
سار باتجاه الباب، توقف، نظر إليّ، ثم قال ببرود لم أعهده فيه:
– هذه ليست مجرد مصيبة يا شمس… هذا قبر مفتوح. لنا كلنا.
– أعلم…
– لا، لا تعلمين.
ثم أضاف وهو يركّز عينيه في وجهي:
– إن كان هناك من رأى، فاعلمي أن الأمر مسألة وقت. سيأتي يوم ويدخل علينا أحدهم، يُخرجنا من تحت الأرض ويسألنا: لماذا؟
قلت وأنا أتكور في مكاني:
– خذني للسجن إذًا… أستحقه.
صرخ فجأة:
– لا تقولي ذلك! لا تزيدي الطين بلة!
اقترب، جلس أمامي، أمسك وجهي بين كفيه، كأنه يحاول أن يوقظني من كابوس لم أخرج منه.
– أنا من جعلكِ تذهبين إليه، أنا من دفعك للزواج، أنا من ترككِ هناك بينما كان هو يحوّلكِ إلى جثة ببطء… وأنا…
صوته اختنق.
– أنا الآن من يدفن الجثة ويخفيكِ في هذا المنفى. أهذا كافٍ؟ أم تريدين أن نموت كلنا؟
لم أملك إجابة.
أردت فقط أن أتوقف عن الوجود.
أن أمحو جسدي من هذا المكان، أن أمحو بدر من الذاكرة، أن أمحو دمي الذي تركته على أرضية الغرفة.
سألت وأنا أتنفس بصعوبة:
– ماذا لو عاد ذاك الذي رأى؟
قال مطر وهو ينهض:
– سيعود.
– وماذا سنفعل؟
– نُكمل اللعبة. نكذب. نختبئ. نزرع قبورًا أخرى لو اضطررنا.
ثم أدار وجهه عني وقال:
– لكنكِ لن تفعلي شيئًا من نفسك بعد الآن. ولا كلمة. ولا قرار.
ثم سار باتجاه الباب، وقبل أن يفتحه سألني بصوت أكثر هدوءًا:
– ماذا رأى بالضبط؟
قلت:
– لا أعرف. شعرت فقط أن هناك من يراقب. شيء في قلبي يقول إن هناك من لم يُغلق النافذة جيدًا في ذلك اليوم.
لم يعلّق.
خرج.
أغلقت الباب خلفه ببطء…
جلست وحدي في الزاوية، والهواء كان كثيفًا.
شعرت به وكأنه يحمل أسماء كثيرة: بدر، سهيل، مطر، وباسل .
وقبل أن أنام تلك الليلة…
نظرت للسقف وهمست:
– هل ارتحتِ الآن، شمس؟
لم أعرف الجواب.
لكني كنت أبكي، ولم أكن خائفة.
وهذا ما أخافني أكثر.
(18)
وأخيرًا، تعرفوني!
لم أستطع الكتابه لكم هذا الصباح.
شعرتُ وكأنكم تعلمون كل شيء.
وكأنكم كنتم هناك، حين كانت يدي ترتجف، وصوتي يتلاشى، وروحي تنقسم بين الخوف والنجاة.
أنا شمس… التي أخفيت عنكم الحقيقة.
استيقظت متأخرة. لم أفتح النافذة، لم أرتّب السرير.
كل شيء كان كما تركته الليلة الماضية، وحتى الغطاء فوق الأريكة لم يُطوَ.
نهضتُ ببطء، وضعتُ الماء على النار، وغسلت بعض الثياب القديمة.
حركاتي كانت آلية، لا طاقة فيها، لا غضب، لا حزن… فقط فراغ.
فتحت الخزانة، رتّبت ما استطعت من الفوضى، ثم جلست عند الطاولة الصغيرة.
نظرتُ إلى الأرض.
كل شيء نظيف، كأن شيئًا لم يحدث.
كذبة.
كل شيء متسخ داخلي.
جلستُ أمام صندوق الخشب القديم، فتحته، وأخرجت الرسائل… واحدة تلو الأخرى.
خطوطه كانت رقيقة، لكن كل جملة كانت تحمل حدّة السكين.
قرأت بعضها، وتجاهلت بعضها، وراقبت ارتجاف أصابعي.
“هل ارتحتِ الآن؟”
“هل ندمتِ؟”
“من تكونين دون سهيل؟”
كان يسألني دائمًا، دون أن ينتظر جوابًا.
وكانت أسئلته دائمًا تسبقني بخطوة، كما لو أنه يسكنني.
رفعتُ رأسي نحو النافذة، بدا الجو رماديًّا، تمامًا كما في رأسي.
أمسكتُ ورقة بيضاء.
ورحت أكتب:
“أكتب إليك لأنني لا أملك أحدًا آخر.
لست نادمة، ولا مرتاحة.
أنا فقط أتنفّس على فترات متقطعة.
كل ما حولي يتحرك… إلا أنا.
تسألني من أكون؟
أنا التي دفنت كل شيء… وبقيت واقفة.
لا تبحث عني، ولا تقترب.
ابقَ حيث أنت، حتى لا تراني أكثر مما رأيت.”
طويتها بعناية، خرجتُ نحو الحديقة، وعلّقتها على طرف الشجرة اليابسة.
وقفتُ لحظة هناك.
كان كل شيء ساكنًا… حتى أنا.
تراجعتُ خطوة للوراء، نظرتُ إلى الورقة المتدلية من الغصن اليابس، وكانت تتحرك بخفة مع نسمة هواء خفيفة. لحظة طويلة مرّت، شعرتُ فيها أنّ الرسالة بدأت تنتمي لذلك المكان أكثر مني.
استدرتُ عائدةً نحو الباب، خطواتي أبطأ مما ينبغي، رأسي مثقل، وقلبي لا يكف عن الارتجاف. لكن شيء ما شدّني فجأة.
صوتٌ صغير، خافت… مألوف.
رفعتُ رأسي بسرعة.
كان يقف هناك، على حافة السور، كأنّه لم يغب يومًا.
الكناري…
كناري سهيل.
اسميته سهيل دون أن أعي على نفسي!
شهقتُ…
ثم وضعتُ يدي على فمي. شعرتُ بالدموع تندفع إلى عينيّ دفعة واحدة، لكنها لم تكن دموع الحزن، بل كانت شيئًا آخر… أقرب للذهول، للارتباك، للخوف من أن أصدق.
- “عدت؟”
همستُ بها وأنا أتقدّم نحوه بخطوات مترددة، أخشى أن أقترب فيطير، أو أن يكون خيالاً صنعه عقلي المرهق.
لكنه لم يتحرك.
اقتربتُ أكثر، وجلستُ القرفصاء تحت السور، أنظر إليه بصمت.
ريشه كان مبللًا قليلاً، عيناه كما هي… بريئتان، صغيرتان، ولامعتان بشيء يشبه العتاب.
- “أين كنت؟”
قلتُها بضعف، وأدرتُ بصري حول الحديقة. لا أثر لأحد.
نظرتُ إلى الرسالة التي علقتها قبل قليل. كانت ما تزال هناك. لم يمسسها شيء. لم يقرأها أحد.
ولكنه عاد…
كأنّه هو الجواب.
مددتُ يدي بحذر، ولدهشتي لم يهرب. اقترب، ثم قفز على أطراف أصابعي، وبدأ يصدر صوتًا صغيرًا، ناعمًا ومتحشرجًا، وكأنّه يحاول أن يغني، أو يخبرني شيئًا بلغة لا أفهمها.
- “هل عدت وحدك؟”
لم يجب، طبعًا.
لكن وجوده كان يكفي. كان كافيًا ليهزّ داخلي كله، ويوقظ شيئًا يشبه الرجاء.
عدتُ به إلى الداخل. وضعت له الماء، وفتات الخبز، وغصنًا صغيرًا كان يحب أن يقف عليه.
راقبته وهو يتحرك، يطير بخفة، يستكشف المكان كما لو أنه لم يغب يومًا.
وقفتُ عند الباب.
نظرتُ إلى الورقة المعلقة على الشجرة.
وهمستُ:
• “هل ارتحتِ الآن يا شمس؟”
لا أعرف الجواب بعد.
لكن الكناري عاد.
وإن كان هذا يعني شيئًا… فهو أنني لم أمت بعد.
(19)
حين لا يكفي الرجوع
استيقظتُ هذا الصباح على ضحكة مكتومة.
ظلّ، بفضوله المعتاد، يلاحق الكناري حول أطراف الغرفة، يدفعه بقدمه الخلفية، ثم يتراجع حين يحلق الطائر عاليًا، وكأنهما يعرفان قوانين اللعب أكثر مما أعرف قوانين الحياة. جلستُ على طرف السرير أراقبهما. للحظةٍ، بدا كل شيء طبيعيًا… وكم أكره هذه اللحظات حين تأتي متأخرة، بعد أن ينهار كل شيء.
سرتُ نحو الباب، فتحتُه بهدوء، وبينما أمدّ يدي لألتقط كوب الماء المعتاد، وقعت عيناي على شيءٍ عند النافذة. ورقة صغيرة مطوية بعناية. ليس فيها رائحة خوف، ولا رائحة بشر. فقط الورق… وكلمات مكتوبة بخطٍ أعرفه جيدًا.
“لا تكتبي لي، لأنني لن أقرؤك.”
عشرين حرفًا خنقتني أكثر من كل الصمت الذي غرقتُ فيه منذ شهور.
رفعت بصري بتلقائية إلى الشجرة، كانت رسالتي التي علقتها البارحة لا تزال في مكانها، لم تتحرك. لم يلمسها أحد.
إنه لم يأخذها، لم يقرأ، لم يُرد حتى المحاولة.
عدت إلى الداخل دون كلمة. تجاهلت كل شيء كما تجاهلتني الحياة.
أطعمت ظل، أطعمت الكناري، شربت كوبًا من الحليب لم أشتهِه.
ثم فتحت خزانة الكتب، وأخرجت “الجريمة والعقاب” كأنني أبحث فيه عن حكمٍ نهائي… أو عن أحدٍ يسمعني.
جلست في الزاوية نفسها التي جلستُ فيها ألف مرة، وفتحت الكتاب، نظرت إلى اسمه: “دوستويفسكي”، ونطقت:
– لو كنتَ هنا، ماذا كنت ستقول؟
أعلم أنك رأيتَ وجه الجريمة الحقيقي، أعلم أن “راسكولنيكوف” قتَل، تمامًا كما فعلتُ… لكنه فعلها بدافع الفكرة. أما أنا؟
أنا قتلتُ بدافع الحياة. أو الموت. لا فرق.
أغمضتُ عيني للحظة، ثم قلت:
– ماذا كنتَ ستكتب عن امرأة مثلي؟ لم تختر الطريق، بل صُنعت لها طرق كلّها مسدودة، حتى اضطرت أن تحفر نفقها بدمها؟
أكنت ستبررني؟
أم ستجعلني أُسجن بيديّ كما فعل راسكولنيكوف؟
أم تراني مجرمة بلا حق في النجاة؟
ضحكتُ بسخرية، ثم همست:
– “حين لا يكفي الرجوع”، أتعلم؟
لا يكفي أن أستيقظ، أن أطعم قطّي وطائري، لا يكفي أن أبتسم لكتاب، أو أعلّق رسالة، أو أغسل ملاءةً عليها دمٌ لم يعد مرئيًا…
لا يكفي شيء بعد الآن.
أغلقت الكتاب ببطء، وضعته على الطاولة، ونظرت حولي.
كان الصباح قد اكتمل، والنافذة ما زالت مغلقة.
ظل نائم في الزاوية، والكناري يغني.
وأنا… أنا لا أعلم إن كنت أريد أن أُكتب بعد الآن.
(20)
لا تسألني عن الغد
لم يمر سوى يومٍ واحد على تركي هنا.
كنت أعدّ الثواني بصمتٍ فظيع، كأن كل نبضة من قلبي صارت مقياسًا للوقت، وكل خفقة تحمل سؤالًا واحدًا:
هل سيعود؟
وحين دقّ الباب في الصباح التالي، لم أركض.
مشيتُ بخطواتٍ بطيئة، ثقيلة. فتحتُ الباب، فوجدته واقفًا هناك، يحمل كيسًا كبيرًا وبعض القوارير، وثيابي القديمة التي لم أظن أنني سأراها مجددًا.
لم ينظر إليّ كثيرًا.
ولم أنظر إليه بما يكفي.
كان التعب يخيّم على كل شيء، حتى على العتاب.
دخل ووضع كل شيء بهدوء.
قليلاً من الخبز، القهوة التي أحبها، صابون، شال صوفي كنت أرتديه أيام البرد.
لم يسألني كيف مرت الليلة.
وأنا لم أسأله أين بات هو.
جلسنا على الأرض، وبيننا أكياس الطعام، وتنهيدة طويلة.
قال بصوته الخافت:
– سأجهّز لكِ مكانًا أفضل… بيت حقيقي، دافئ، آمن، بعيد عن كل شيء.
أحتاج بضعة أيام، وسأعود لأخذك.
سألته دون أن أرفع نظري:
– هل سيكون بعيدًا جدًا؟
– بقدر ما يلزم أن يُمحى كل هذا.
أردت أن أسأله إن كان سيعود فعلًا، إن كان ينوي تركي، إن كان يخاف مني…
لكنني قلت بدلًا عن ذلك:
– ومتى سأراه؟
ظلّ صامتًا، يعرف أنني أعني سهيل.
ردّ بعد صمتٍ طويل:
– حين تحين اللحظة، سنفكّر في كل شيء… لا تسأليني عن الغد.
نظرت إليه، كان وجهه شاحبًا، يحمل كل سنوات الطفولة والحرب والخذلان.
هممت أن أقول له شيئًا، أي شيء… لكنه نهض فجأة وقال:
– لا تفتحي الباب لأحد.
ولا تنظري من النافذة كثيرًا.
أنتِ غير موجودة. تذكّري هذا.
ثم غادر.
لم أوقفه، لم أودّعه.
أغلقت الباب خلفه، وعدتُ إلى الزاوية الباردة، وبدأتُ أرتّب الأشياء التي جلبها، كأنها كنز.
كأنها حياة.
لم أكن أعلم وقتها، أن هذا “المكان الأفضل” سيكون المنفى الذي لا مفر منه.
ولم أكن أعلم أن “لا تسأليني عن الغد”
ستصبح دينًا أعيشه كلّ يوم.
(21)
كما لو أنني سأبدأ من هنا
عاد.
بعد خمسة أيامٍ كاملة من الصمت والخوف والانتظار، عاد.
لكن وجهه لم يكن وجه من يعود بوعد، بل وجه من يحمل خرابًا جديدًا.
دخل الغرفة بخطوات ثقيلة، لا سلام ولا حتى نظرة أولى.
أغلق الباب وراءه كأن العالم كله يطاردنا، ثم التفت إليّ وقال بصوتٍ خفيض:
– الشرطة عرفت عن بدر.
لم أتحرّك.
كنت أقف هناك، بنفس الثياب، بنفس ملامح اليوم الذي مضى.
سألته بصوت مرتعش:
– وعني؟
أومأ نافيًا، وأضاف:
– لا، ليس بعد. لا أحد يعرف أنك كنتِ معه. ولا من رآكِ يومها.
سقط كل ما في يدي.
تركتُ كل شيء، ولم أستطع التفكير سوى بشخصٍ واحد.
– وسهيل؟
سألته، وكان صوتي أقرب للبكاء.
تنهّد، وأشاح بوجهه عني:
– وكيف يكون؟!
لم أطلب منه تفسيرًا.
لم أطلب منه أن يواسيني.
بكيتُ قليلًا، ثم مسحت وجهي، وبدأنا في جمع ما تبقى في تلك الغرفة القبيحة.
كانت الغرفة تموت معنا.
لا شيء فيها سيُفتَقد.
ركبنا السيارة.
أنا بصمتي، وهو بأفكاره الثقيلة، وخرائطه التي لا يبوح بها.
وصلنا.
المنفى.
بيت صغير من طابق واحد، وسط حديقة جافة، لا سكان حوله، لا أصوات، لا حياة.
وقفت أمامه أتأمله كما يتأمل السجينُ زنزانته الأولى.
بدا البيت كعجوزٍ تعب من الزمن، طلاء جدرانه الخارجية مقشور، نوافذه ضيقة، وسقفه مائل كأنما يريد أن يسقط.
فتحتُ الباب.
الداخل كان أبرد من الخارج.
الضوء باهت، والغبار يرقص في كل زاوية.
في الصالة، وجدت كرسيًا خشبيًا مشقوقًا، وطاولة خفيفة فوقها مصباح متدلٍ من السقف، يتأرجح رغم أن لا هواء.
في الزاوية مطبخ صغير:
ثلاجة قديمة، موقد غاز صدئ، مغسلة وحيدة، ودولاب خشبي طويل، فيه ملعقة واحدة، كوب، وصحن.
قدرٌ متّسخ يرقد فوق الموقد كأن أحدًا طبخ فيه قبل سنوات ثم نسي.
وفي الزاوية الأخرى من الغرفة، مكتبة مهملة، أغلب أرففها مائلة، كتبها متربة.
أريكة قديمة، منهكة من الزمن، وطاولة خشبية صغيرة عليها مصباح — هذه المرّة ليس حديديًا، ربما خاف مطر أن أكرر فعلتي.
تقدّمتُ نحو غرفة النوم.
ضاقت بي.
الغرفة بالكاد تكفيني، خزانة ملابس صغيرة، وحصيرة نوم قرب نافذة زجاجية تطل على الحديقة.
أما الحمّام، فكان ضيقًا، طويلًا، فيه ذبابة تحوم فوق مغسلة قديمة، وصنَبُّور استحمام صدئ، ومرآة باهتة تعكس وجهي كأنني شخصٌ آخر.
خرجتُ إلى الصالة من جديد.
وقفتُ في المنتصف، نظرت إلى الجدران، السقف، الأرضية.
كأنني أحاول إقناع نفسي بأنني هنا، بأنني سأبقى هنا، بأنني
سأبدأ من هنا.
في الخارج، كان مطر ينزل الأغراض من السيارة.
يلتفت في الأرجاء كمن يبحث عن العيون الخفية.
أما أنا، فكنت أبحث عن نفسي.
دخلتُ بعده بدقائق، بعدما تأكدتُ أنه غادر فعلًا.
تركتُ الباب مواربًا قليلًا، وجلستُ على الأرض وسط الأغراض الكثيرة التي جلبها مطر: أكياس ممتلئة بالطعام، علب مغلقة، أكوام من الثياب الملفوفة بعناية، أوانٍ جديدة نسبيًا، مكنسة بلاستيكية، مساحيق تنظيف، صابون، خِرَق كثيرة.
أخذتُ أفرزها بصمت.
لم يكن هناك ما يُفرح، لكن لا شيء يُخيف أيضًا.
بدأت بالتنظيف.
غسلتُ الصحون الثلاثة.
ملأتُ الدُّولاب الخشبي القبيح بما جلبه من الطعام، رتبتُ الملابس، نظّفتُ الأرضية، حرّكت الكرسي، جمعت الغبار المتراكم، فتحت النوافذ، بلّلتُ الخِرَق ومسحت كل ما استطعت الوصول إليه.
رائحة البيت تغيّرت قليلًا.
ربما لأنني كنت أتحرّك كثيرًا، أو لأنني كنت أحاول أن أشغل نفسي بما لا يُبكيني.
حين انتهيت، جلستُ أمام المكتبة المائلة.
مددتُ يدي وسحبتُ أول كتاب وقعت عليه عيني.
نظرتُ إلى عنوانه، ثم ضحكتُ بسخرية مُرّة.
كان العنوان: “فن الاستسلام الجميل”.
هل يوجد استسلام جميل فعلًا؟
هل كنتُ أقاوم أصلًا؟
فتحت الصفحة الأولى، لكنني لم أقرأ.
أجهشتُ بالبكاء.
سقط الكتاب من يدي، كأن الحروف فيه ثقيلة.
مسحتُ وجهي، ثم مشيتُ إلى الزاوية. أغلقتُ المصباح، تركتُ الظلام يحتضن الغرفة كلها، ثم عدتُ نحو الأريكة.
لم أفرش الحصيرة، لم أفتح الخزانة.
تمدّدتُ هناك فقط.
العالم كله كان خارج هذا البيت.
أما أنا، فقد كنت بداخله… وحدي.
(22)
رسالة مفتوحة
لم أفتح النافذة هذا الصباح. لم أراقب شيئًا، ولم أنتظر شيئًا. فقط نهضت.
أعددتُ إفطاري وأنا أشعر بجوعٍ غريب، ليس من نوع الجوع الذي أعرفه، بل ذاك الذي يوقظك كأنه لك منذ أيام.
رفرف الكناري فوق رأسي، ثم حطَّ على كتفي بثقله الخفيف.
نظرتُ إليه وقلت:
– “هل أنت جائع؟ أنا اليوم جائعة… على غير عادتي.”
صمت قليلًا ثم سألت بنبرة ناعسة:
– “هل تركتَ أهلك لتجيء إلي؟”
وصمتُّ، ثم ابتسمت ساخرة وهمست:
– “أحمق.”
وأكملتُ إفطاري، بصمت وبدون طقوس.
بعد قليل، خرجتُ نحو الشجرة، حيث ما تزال ورقتي معلقة. تلك التي لم يُكلف نفسه أن يقرؤها.
سحبتها، طويتها بلا رغبة، ثم مشيت.
عدتُ إلى الداخل، جلست إلى طاولتي، وفتحت دفتري.
مزّقتُ منه ورقة نظيفة، وكتبت عليها، دون تفكير، فقط بقلبٍ غاضب:
“لا تترك لي الرسائل، لأنني لم أعد أرغب في قراءتك أنت أيضًا.”
علّقتها على الباب.
لم أطوها.
تركْتُها مكشوفة، كاملة، في مواجهة الريح، وفي مواجهة عينيه.
قرِّأها أو لا،
الآن، الأمر لا يعنيني.
عدتُ إلى الداخل بعد أن علّقت الرسالة، جلستُ للحظة طويلة على الأرض، ظهري مسنودٌ إلى الباب، يداي مرتخيتان، وصدري لا يعرف إن كان فارغًا أم ممتلئًا بالحزن.
ثم نهضت.
خرجتُ إلى الحديقة، سحبتُ إبريق الماء وسكبت القليل على نباتي الذي بدأ يميل كأنه تعب من انتظاري. لم أتكلم. فقط راقبته يشرب ببطء كمن يبلع غصة.
كان الكناري على كتفي، صامتًا.
ثم سمعته، خطوات ظل، بطيئة… متثاقلة، لكنه جاء.
رفعت رأسي، رأيته يقف هناك، في منتصف الحديقة، يرمقني بنظرة غاضبة، غاضبة فعلًا، وكأنه ضُبط متلبسًا بالغيرة.
ضحكت، مددت يدي وحملته، ضممته إلى صدري وهمست:
– “لا يمكن أن تغار من هذا الطائر الأحمق… أنت الأول، وهو جاء بعدك.”
رمقني بنظرته التي أعرفها، كأن وجهه يقول لي: أخيرًا فهمتِ.
لعق وجهي بلعابه اللزج،
ضحكت مرةً أخرى، ومسحت على رأسه وقلت:
– “لا تفعلها… إنني أقرف! حيوان… هه.”
ضحكتي لم تكن ضحكة كاملة، لكنها كانت كافية لأتذكّر أنني لا زلت على قيد الحياة.
(23)
صوت لا يشبه صوت مطر
لا شيء في هذا المكان يستحق الكلام، ولهذا كنت أنصت.
أصغي لصوت الجدران وهي تتنفس رطوبة الصباح، لصوت قدميَّ على الأرض، لصوت الكناري حين يحطّ على رأسي كأنه تاج، ولأنين ظل حين لا يعجبه طعامه.
كل الأصوات مألوفة، متكررة، محفوظة.
ولهذا عندما سمعته، عرفت أنه غريب.
لم يكن صوت مطر.
قفتُ فورًا. قطعتُ المسافة بين المطبخ والنافذة في ثلاث خطوات سريعة، ومن خلف الستارة رأيت… لا شيء.
الطريق خالٍ، الحديقة خالية، السماء ثقيلة بشمس مشوشة.
ولكني أقسم أني سمعت صوت سيارة.
صوتها ليس كصوت سيارة مطر القديمة، لا يشبهها.
صوت حديث، خافت، لكنه أنيق… كمن لا يريد أن يُسمع.
عدت للداخل ببطء، وظلي يتبعني بنظراته الحادة.
الكناري غرد فجأة، كأنه ينذر بشيء، فقلت له بصوت منخفض:
– لا تبدأ، لستُ خائفة.
لكني كنت.
لم أخرج مباشرة.
جلست قليلاً، أمام الباب، دون سبب واضح.
ثم قمت، فتحت الباب، وخرجت.
نظرت حولي… لا أحد.
حتى أثر السيارة غير واضح، الأرض لا تُبقي أسرارًا هنا، ولكنها لم تُخبرني بشيء اليوم.
تقدّمت نحو الحديقة، كنت أبحث عن لا شيء.
لكني وجدته.
كان هناك شيء جديد قرب الشجرة.
لا رسالة، لا ورقة…
بل دمية صغيرة.
دمية قماش، تشبه تلك التي كنت أحيكها لسهيل حين كان صغيرًا.
حمراء، بعيون زجاجية، وخيط أسود يخيط ابتسامة مشقوقة على فمها.
انكمش قلبي.
رفعتها بيدين مرتجفتين.
لم تكن متّسخة.
أحدهم وضعها للتو.
بل وكأن أحدهم يعلم أني سأخرج، وأن يدي ستصل إليها، وأن عينيّ ستتوسّعان هكذا، تمامًا هكذا، حين أراها.
عدتُ إلى الداخل، أغلقت الباب، ونسيت أن أتنفّس.
ظل اقترب، شمّ الدمية، ثم أبعد رأسه بملل.
أما الكناري فظلّ يرفرف بجناحيه في كل مكان، لا يسكن، لا يسكت.
جلستُ على الأرض.
والدمية في حضني.
والسؤال في رأسي:
“من يعرف؟ ومن يقترب؟ ومن يلعب بي الآن؟”
جلستُ طويلاً دون أن أتحرك.
لم أعد أعرف إن كنت أرتجف من البرد أم من الذكرى.
هذه الدمية ليست مجرد قماش.
هي ذراع أخرى تمتد من الماضي، تسحبني كلما حاولت النهوض.
وضعتها بجانبي على الأريكة.
راقبت ظل وهو يدور حولنا بقلق، ثم يستسلم وينكمش قرب قدمي.
الكناري اختفى في مكان ما من الغرفة، أو ربما في داخلي.
أطفأت المصباح، تمددت.
أحكمت الغطاء على جسدي، ثم… لا أدري متى ولا كيف،
لكن حين فتح الصباح عينيه، كنت أنا نائمة، والدمية في حضني.
يداها القماشيتان تحت ذقني، وابتسامتها الممزقة ملتصقة بصدر قميصي.
لم أستيقظ مفزوعة.
بل بهدوء تام، كأنني كنت أعلم أن الأمر سيحدث.
قمت ببطء.
وضعت الدمية على الرف الأعلى في المكتبة، بين كتابٍ ممزق وآخر بلا عنوان.
ثم عدت أرتب الغرفة…
كأن شيئًا لم يحدث.
لكنني كنت أعلم،
أن شيئًا قد بدأ.
(24)
حين تطرق الأبواب دون موعد
مرّ يومان وأنا أنام كمن لا يريد أن يستيقظ. كأن العالم كله بات بلا معنى، حتى ظلّ والكناري لم يعودا قادرين على انتشالي من الفراغ.
لم أكتب. لم أقرأ. لم أبكِ.
في صباح اليوم الثالث جلست على الطاولة، أمامي فنجان بارد ودمية سهيل تستند إلى الجدار، ترمقني بعين زجاجية وكأنها تسأل: “هل انتهى كل شيء؟”
أردّ بعينيّ فقط: لا أدري.
كنت أحاول أن أعيش دون أن أفكر، دون أن أتذكر.
لكن الباب… الباب كسره.
ثلاث طرقات.
ليس كثيرًا، لكنهم كافون لبعثرة كل محاولات النسيان.
رفعت رأسي، حدقت نحو الباب، كأنني توقّعت هذا الطَرق، أو على الأقل تمنّيت ألا يحدث.
نهضت.
خطوت ببطء، وفتحت الباب.
كان مطر.
نفسه، لكن بشيء ناقص… وجهه مرهق، عيناه كأنهما لم تناما منذ دهر.
لم يقل شيئًا في البداية. فقط نظر إليّ، نظرة طويلة وموجعة.
ثم قال بصوته المبحوح:
- حضّري نفسك، سوف نتكلم!
تجمدت يدي على مقبض الباب، وأنا أهمس داخلي:
-لا وقت للكلام، مطر… الوقت للحساب.
دخل مطر وأغلق الباب خلفه بقوة لم يعتدها. حدّق في الأرض برهة، ثم رفع عينيه إليّ، ونبرة صوته كانت مشوبة بشيء غريب… ليس غضبًا، بل قلقًا داهمًا يكاد يختبئ خلف جدار التماسك.
قال وهو يقترب:
- علينا أن نتحدث، الآن.
لم أجيبه. وضعت الكوب من يدي، وجلست بهدوءٍ كمن ينتظر حكمًا لا مفرّ منه. جلس قبالتي وسحب ورقة صغيرة من جيب سترته، مدّها نحوي.
- وجدتها على ممسحة زجاج السيارة هذا الصباح.
أخذت الورقة بيدي المرتجفة، وقبل أن أفتحها، همس كمن يلفظ سرًا مشؤومًا:
- كُتب عليها: "أنا أعلم أنك تعلم.”
شعرتُ أن الهواء في الغرفة ضاق، وكأن الجدران اقتربت فجأة لتبتلعني. فتحت الورقة، قرأت العبارة مرة أخرى… الأحرف ليست غريبة، تشبه خطّه. أو هكذا خُيّل لي.
همست دون أن أرفع رأسي:
- يعرف أننا دفنّاه… أو على الأقل يشك.
قال مطر وهو يشدّ على قبضته:
- قد يعرف، وقد لا يعرف، لكن مجرد وجود الورقة على السيارة يعني أنه يراقبنا… أو يتسلّى بنا.
نظرت إليه، وفي داخلي سؤال واحد يتردد كصدى مرعب:
- هل هو من رأى؟ من يومها؟
ردّ بسرعة وكأن السؤال أحرجه:
لا أعلم، ولم أعد أريد أن أعلم… ما أعرفه فقط هو أنّ علينا التحرّك، فورًا. لم يعد هذا المكان آمنًا.
حدّق بي مطر مليًّا بعد أن أنهى كلماته، فبقيت صامتة. شعرت بجفاف في حلقي، وتجمّدت يداي في حضني. نظرت إليه، وصوتي يخرج ببطء، كمن يجرّ الكلمات من هوةٍ عميقة:
- أنت تطلب منّي أن أهرب… مجددًا؟
لم يرد. فقط أومأ برأسه.
- ست سنوات يا مطر… ست سنوات وأنا أتنفّس في الظلّ، آكل خوفًا، وأنام على حدّ الشكّ، وأتحدث إلى قطّ وطائر ودمية… هل فكّرت مرة واحدة أنّني تعبت؟!
رفع حاجبيه، بدا مذهولًا من نبرتي، لكنني لم أمهله:
- وماذا لو لم أعد أهرب ممن في الخارج؟ ماذا لو الشيء الذي أهرب منه… كان أنا؟ أو… أنت؟
تنهّدت بحدّة، ثم نهضت، وصرخت:
- أنا لا أريد الرحيل! ألا تفهم؟! لا أريد أن أبدّل الجدران مجددًا، لا أريد أن أبدأ من الصفر، لا أريد أن أنسى وجهي في مرآة غريبة أخرى!
تقدّم مطر نحوي، صوته خافت لكنه مشدود:
- شمس، أرجوكِ… الأمر ليس كما تتخيلين، إن بقينا هنا—
قاطعته ورفعت يدي:
- كفى، لا تقل شيئًا. كلّ ما تظنه صوابًا قد لا يكون كذلك… كل ما ظننته نجاةً كان سجني. دعني هنا، دعني أتنفّس هذا الركن الذي صار يعرّفني. لم أعد أرغب فيك أنت أيضًا، يا مطر.
سادت لحظة من الصمت، كأن الجدران استوعبت الجملة قبله. ثم اقترب مني ليقول شيئًا، لكنني سبقتُه، مشيت بخطى حادّة نحو الباب، فتحته على مصراعيه، وأشرت بيدي:
- اخرج. الآن!
تجمّد، ثم قال بصوت مخنوق:
- شمس…
نظرت في عينيه، لأول مرة دون خوف:
- اخرج.
وقف هناك لحظة أخرى، ثم التفت وجمع معطفه بصمت، وخرج. أغلقت الباب خلفه، وأسندت ظهري إليه. لم أبكِ… لم أصرخ… فقط بقيت أتنفّس، كأنني نجوت من غرقٍ كنت أظنّه قاربًا.
سارعتُ إلى دفتري، كمن يلجأ إلى صدٍقٍ لا يحاكمه، جلست على الأرض وأسندت ظهري إلى الباب، ثم فتحت الصفحات على آخر ما كتبت، وسحبت القلم بيدٍ ترتجف من أثر الصدام.
“لمدة ستّ سنوات ونصف، كلانا—أنا ومطر—ظننا أن من رآني تلك الليلة كان سهيل.
لطالما ظننت أن صغيري، بعمر الثامنة، كان هو الشاهد.
كم من الليالي جلستُ أحدّق في الفراغ، أتساءل عن حجم العذاب النفسي الذي يحمله طفل لم يجد الجرأة ليبوح بأنه رأى أمّه… تقتل.
طفلٌ عمره ثمان سنوات، يصمت حين انتشر خبر موت أبيه… ولم يشير بأصابع الاتهام لي؟
كنت أراه في منامي يحدّق فيّ بعينيه، لا يقول شيئًا… فقط يحدّق، كأنّه ينتظرني أن أعترف.”
سكتّ للحظة، ثم كتبت بخطٍّ أبطأ:
“لكن اليوم، اليوم فقط، تأكدت أنه لم يكن هو.
ويا للغرابة…
ارتحت.”
أغلقتُ الدفتر ببطء، ثم وضعت رأسي فوقه كمن يود أن يختبئ من العالم داخله.
(25)
يوم يشبه كل شيء… إلا البدايات
استيقظت دون أن أدري كم مر من الوقت. الضوء خافت، والساعة لا تشير إلى شيء مهم. لا شيء في هذا اليوم مختلف، سوى أنني لم أكن أنتظره.
قمت ببطء، بلا رغبة حقيقية في شيء، جمعت شعري إلى الخلف وارتديت كنزتي الرمادية التي لم أغسلها منذ أيام. لا شمس ولا ظل، لا طائر على كتفي هذه المرة. فقط أنا، والفراغ المحايد.
دخلت المطبخ، وضعت الماء على النار بلا قصد، ثم نسيت لماذا فعلت ذلك. فتحت خزانة صغيرة، أخرجت منها علبة قديمة، مغبرة، لا تحمل أي علامة تُذكر. نظرت إليها طويلاً، كأنني أحاول تذكّر شيء… أو ربما أحاول نسيانه.
جلست إلى الطاولة، وفتحتها.
لم أكن أتوقع أن أجد شيئًا. لكنني وجدت. ورقة صغيرة. صورة؟ لا. دفتر. ورقٌ أصفر قديم… مدوّنات؟ لا. كان دفترًا أعرفه. لمسته بأطراف أصابعي كأنني أمسح على جلد ذاكرة.
“إلى سهيل، إن كبرت ولم أكن بقربك…”
شهقت.
غصصت، وارتجفت يدي. لم أكن أتوقع أن أراه مجددًا… ولا أن أقرأ تلك الكلمات.
“إلى سهيل، إن كبرت ولم أكن بقربك…”
رفعت الدفتر إلى مستوى عيني، صوت تنفسي يعلو، تزداد سرعة دقّات قلبي، كأن كل ما كنت أدفعه بعيدًا عاد ليخرج دفعة واحدة.
”…فلتعلم أنني حاولت. حاولت أن أكون أمًّا كاملة لك، لكن العالم لم يسمح، ولم أكن قوية بما يكفي لأحميك من كل شيء.”
توقفت عن القراءة، وبللت دمعة الصفحة. شددت على الدفتر كأنني أحاول أن أعيد ما فاتني من حُب، من احتضان، من أمومة ضاعت بين الخوف والهروب.
“أنا لست بريئة، لكنني لست شريرة، كنت فقط… خائفة. وكان خوفي عليك أكبر من خوفي منك. لهذا اختفيت. لهذا لم أُرسل لك شيئًا. ربما، حين تكبر وتقرأ هذه السطور، تفهم… تعذر. أو تكره. سأقبل بكل شيء… إلا أن تنساني.”
أسندت جبهتي على الطاولة، أغمضت عيني، وبصوت بالكاد يُسمع، همست:
“أنا لم أنسَك يا صغيري… لم أنسَ.”
رفعت رأسي بعد دقائق من الصمت الثقيل، نظرت إلى النافذة، حيث الغيمات الرمادية تتحرك ببطء، كأنها تحمل رسالة ما.
ربما حان وقت أن أكتب له فعلًا… أن أكتب لسهيل.
لكنني تراجعت.
نظرت إلى الدفتر مجددًا، فتحت صفحاته، وجدت سطرًا أخيرًا كُتب بخطي منذ زمن بعيد، نسيت متى خطّته:
“سيأتي يوم، سأحدثك فيه عن كل شيء… لكن ليس اليوم.”
أغلقت الدفتر، احتضنته بقوة، وقلت لنفسي بصوت خافت:
“لكن اليوم… يقترب.”
(26)
أيامي الأولى هنا
مرت الأيام كما تمر الغيوم العابرة، كل يوم يبدو متشابهًا وكأن لا شيء يتغير فيه. لكن في تلك الأيام الأولى، كنتُ أحمل في قلبي ذكرى مريرة لا تفارقني. كل زاوية في هذا البيت القديم كانت تذكرني بشيءٍ آخر، بشيء كان بعيدًا عن هذا الحاضر الذي أعيشه دون أن أعترف لنفسي أنني ربما كنت أهرب من أكثر من مجرد ماضيي.
كنت أكتب رسائل لسهيل، دائمًا. كل مرة كنت أفتح الدفتر القديم، كأنني أتحدث إليه مباشرة، أكتب له عن كل شيء، عن أحلامي وأملي المفقود، عن الأيام التي فاتتني، وعن الحياة التي كنت أتمنى أن أعيشها. وكنت أكتب، وأكتب، ولكن كان هناك دائمًا حاجز بين تلك الكتابات وواقعي.
“لا أستطيع أخذها منك”، كان يقول مطر، وفي كل مرة يُمسك بالرسالة، يرفض أن يأخذها. كان يقول: “ليس الآن، ليس الوقت المناسب”. وكل مرة كنت أجد نفسي متوقفة، محبوسة بين رغبتي في الكتابة وبين خوفي من أن لا يقرأ أحد ما أكتبه.
كان كل شيء هنا غريبًا بالنسبة لي. حتى في تلك اللحظات التي كنت أتمنى أن أشعر بها في مكانٍ أكثر أمانًا، كان يبدو أن المكان يملؤه فراغٌ ثقيل.
“لا أستطيع أن أتركه، لا أستطيع أن أكتب له”، كنت أُهمس لنفسي وأنا أغلق الدفتر وأضعه في مكانٍ بعيد، كأنني أدفن فيه جزءًا مني.
ومع الأيام، كان مطر يعود ليُعيد نفس الجملة، كأنها لحنٌ مكرر في حياتنا: “ليس الآن، ليس الوقت المناسب”. وكان يتابع في مراقبة ما حوله بحذر، بينما كنت أكتب بهدوء، أترك الرسائل في مكانٍ حيث لا يستطيع مطر أن يأخذها، وأحيانًا كان يجدها، لكنه لا يقرأها.
كان مطر دائمًا يحاول أن يثبت لي أنه يُريد لي الأمان، لكنه لم يفهم أبدًا أنني كنتُ أُحاول فقط أن أجد طريقة للتواصل مع شيء كنت قد فقدته، وأدور في دائرة لا تنتهي.
الرسائل كانت لي، وليست لأحد آخر. وكلما كتبت، كلما كنت أشعر بشيءٍ أقوى يربطني بسهيل.
كان مطر يأتي بالماء والطعام والملابس، تقريبًا كل ما يلزمنا للبقاء على قيد الحياة. لكن بالنسبة لي، لم تكن هذه الأشياء ذات أهمية. في شهوري الأولى هنا، كان أول سؤال أطرحه على مطر يتعلق بسهيل، وأمي، والتحقيقات. كان يجيبني:
“إنهم بخير. التحقيقات ضعيفة. الجميع يعلم أنك من قتلته وأنك هربت، لكن الشرطة لم تستطع إثبات ذلك.”
أما بالنسبة لأمي، فكانت تقول إنني مت، وأنها تبكي عليّ دائمًا. أما سهيل، فقد أصبح صامتًا.
كنت أبكي وأغفو، ونادرًا ما كنت أتناول الطعام. كنت أستحم كل يوم، لكنني لم أخرج إلى الحديقة تقريبًا طوال السنة الأولى.
ثم أخبرني مطر أن التحقيقات توقفت، وأنه قرر الزواج.
أما سهيل، فقد أصبح شخصًا عاديًا، لم يعد كما كان من قبل، لكنه أصبح يخرج.
وأنا… لا أزال كما أنا.
(27)
قنبلة
مضى أسبوع.
مطر لم يأتِ.
ورغم أنني طردته، إلا أنني كنت أنتظره…
كأنني ألوم الباب لأنه لم يُفتح.
ظل يبدو متعبًا.
و”كناري” لم يطِر اليوم.
الطعام بدأ ينفد من المطبخ،
وخارجًا… رحل الخريف.
وفي المساء،
عاد مطر.
يحمل معه شيئًا من الرحمة أو الترياق.
لم نتحدث.
هو انشغل بمسح فرو “ظل”، وأنا رتبت الفوضى ببطء،
أعددت العشاء كأنني أصالح الجوع.
من بين الأكياس، وجدت علبة طعام قطط.
رفعتها وضحكت.
التفتَ إليّ.
لكنه لم يقل شيئًا.
ردّها بابتسامة صامتة.
جلسنا إلى المائدة.
كنا نأكل الصمت قبل الطعام.
ثم قطعه مطر بسؤال حاد، نُطق كالسهم:
“برأيك… لماذا انتهت قضية بدر بسرعة؟”
لم أجب.
وقعت ملعقتي.
لكنه لم يكن ينتظرني،
كان مستعدًا للرد وحده.
“لأنه لم يكن له أحد…
لا أم تبكيه،
لا أخ يناضل من أجل الحقيقة…
لا أحد يزعج الشرطة،
يسأل عن التطورات.
لم يهتم به أحد.”
شعرت أن كلامه يطرق عظامي.
تابع دون أن يرفع عينيه:
“بعد فترة، بيع بيته.
سهيل انتقل مع أمي للقرية،
لم يحتملوا غيابك…
وأنا؟ لا أدري.
تارة معكِ، وتارة في المدينة…
وعقلي معكِ.”
نهضت.
“ظل” تبعني كأنه يعزيني.
غسلت صحني وكأسي.
لكن… الملعقة بقيت تحت الطاولة.
انحنيت لالتقاطها.
كان مطر يبكي.
تجمّدت.
لم أعرف ما أفعل.
أشاح وجهه للجدار، كأن الجدران أكثر أمانًا من عينيّ.
ثم طوى وجهه بين يديه، وقال بصوت مكسور:
- أنا أفعل كل هذا من أجلك…
ربما لا ترين ذلك.
لكننا نتقاسم المعاناة نفسها.
صمتنا.
صمت طويل.
ثم أطلق ضحكة بائسة:
- زوجتي تظن أنني أخونها.
نظرت إليه:
- ماذا؟
ردّ وفي فمه لقمة ثقيلة:
- رأت فواتير بأشياء لا أجلبها للبيت…
قالت: إن لم تخبرني الحقيقة، سأغادر،
سآخذ من في بطني وأرحل.
تخيّلي؟
قلت، دون أن أُفكر:
- إذن… أخبرها الحقيقة.
لم يجب.
رتّب الطاولة بصمت،
ثم ذهب إلى الأريكة كأنه يبحث عن ضياعه.
أعددت شاي النعناع.
ذاك الذي زرعته… ولا زال حيًّا، رغم إهمالي له.
جلسنا، شربنا.
ثم سأل، فجأة:
- هل تحبينه؟
أجبت بحدّة:
- لا.
ضحك.
كان يستعد للخروج.
قال وهو يضع يده على المقبض:
- لم أُحدد من.
ثم أغلق الباب… وغادر.
فجّر قنبلة.
وتركني وحدي معها.
هل أنا أحبه؟
كان يقول: “هذا حب مراهقين.”
لكن… ماذا لو أن حب المراهقين هو أصدق حب؟
نبشت عنه في قلبي المتراكم،
فتّشت بين الذكريات،
ووجدته هناك…
باسل.
(28)
بدأ الصباح بلوم، وأنا أرتّب الغسيل وأتخبّط بأسئلتي. كيف حال مطر الآن؟ هل صالح زوجته؟ هل نسي الأمر؟ هل أفشى سري ليبقيها؟
أتمتم، وكأن الصوت يخفف شيئًا: “مطر مكتئب أكثر مني… بل أسوأ، وكل ذلك بسببي.”
ظل لا يزال نائمًا، لم يلمس طعامه، والكناري يطير بتعب كأنه يترنح على جناحيه.
غليت بعض الماء، أردت شايًا بالنعناع، فخرجت إلى الحديقة.
وبين الأغصان… ظرف!
تجمدت.
ظرف حقيقي، لست أتوهم.
كأنه هناك ينتظرني أن أقطفه قبل أن يموت.
الغلاف مكتوب عليه:
“إن لن تقرئيني، فاقرئي نفسك.”
ماذا يعني؟
عدت للداخل. أغلقت الباب خلفي كأن شيئًا يطاردني،
رميت الظرف على الطاولة وتظاهرت بعدم الاهتمام.
سكبت الشاي في كوبي الزجاجي الشفاف،
بخار الشاي يهاجم وجهي، وأنا أحاول تجاهل الظرف…
لكن عيني زلّت،
تسللت،
وفتحت الظرف.
انفجرت الصدمة.
وقع الكوب من يدي،
الشاي تناثر،
لسع قدمي،
لكنني لم أشعر.
إنها هي.
ولكن كيف؟!
خطّي المتوتر… القصّ العشوائي للورقة…
كلماتي، أنا، من ست سنوات.
كأنّني أقابل نفسي فجأة بعد عمر.
كأنني أكتشف أنّني ظللت أصرخ في المرآة طوال الوقت ولم أكن أسمع.
“إن لم أخرج اليوم… فاعرف أنني حاولت.”
عبارة كتبتها ذات مرة،
وتركتها تحت علبة المناديل لمطر… منذ زمن بعيد.
بلعت ريقي بصعوبة،
أحسست بحرارة تصعد من قدمي المحروقة إلى رأسي.
الرسالة ما زالت معصورة في يدي،
أصابعي تتشبث بالورق كما لو أنه حبل نجاة،
أو سكين ذاكرة.
من أنت؟
وكيف كنت قريبًا مني لهذه الدرجة
…ولم ألحظ؟
مازالت الرسالة في يدي كأنها قطعة من الماضي لا أستطيع الهروب منها.
حاولت التنفس بعمق، لكن أنفاسي كانت تتسارع، كأنني أركض في دائرة مغلقة ولا أستطيع الخروج منها.
قلبي يخفق في صدري وكأنّه يترقب إجابة لا تأتي.
هل كانت هذه الرسالة تحذيرًا؟ هل كانت إعلانًا عن نهاية شيء قد بدأ في وقت ما؟
ظلت عيناي على الورقة، تراقب الكلمات التي بدت وكأنها تمتص الضوء.
أردت أن أركض إلى مطر، أن أصرخ في وجهه، أن أسأله كيف يمكنه أن يتركني أعيش في هذا المأزق وحدي،
لكن شيئًا ما في داخلي، شيئًا لا أستطيع تحديده، جعلني أبقى ساكنة.
كل ما كنت أفعله هو إغلاق عيني، ثم فتحها مرة أخرى، متسائلة عما يحدث.
كيف كنت قادرة على أن أكون بهذه الغفلة؟
كيف لم ألاحظ ذلك؟
جلست على الأرض، وضعت يدي على رأسي، كأنني أحاول أن أوقف دوار الأفكار الذي يلاحقني.
أراد مطر أن يظل بعيدًا عني، أظن. لكنني شعرت أنني بحاجة له أكثر من أي وقت مضى.
لن أكذب، شعرت به في تلك اللحظة أكثر من أي وقت مضى.
وفي نفس الوقت، شعرت بأنّني على شفا حفرة،
حفرة عميقة تتسع أكثر في كل لحظة، وكل كلمة تكتب على الورقة.
وضعت الظرف على الطاولة وأخذت نفسًا عميقًا.
شيء في داخلي، في تلك اللحظة، همس لي بأني قد أتأخر أكثر إذا ظللت جالسة هنا.
نهضت، وعدت إلى الحديقة مرة أخرى،
كان النعناع قد ذبل، ولم يعد يهمني الآن.
ما يهمني هو السؤال الذي ينبثق في ذهني،
هل أنا أستحق أن أعرف؟
لم يكن لدي إجابة.
مطر، الرسالة، الظرف، كل شيء بدأ ينفصل عني أكثر.
كلما تقدمت خطوة، شعرت وكأنني أبتعد عن نفسي أكثر.
لكن في هذه اللحظة، كنت أعرف شيئًا واحدًا،
لم أعد أستطيع أن أخاف.
(29)
هل فعلاً مات بدر؟
هل أُخرج من تلك الحفرة حيًا؟
هل شجرة الزيتون تنتقم لأشراكها في تلك الجريمة؟
تلك الأسئلة تطاردني، تتسرب إلى عقلي في كل لحظة، كما لو أنني لا أستطيع الهروب منها.
لم أكن أظن أنني سأعيش لأطرحها، لكن الآن، أصبحت أسيرة لهذه الأفكار، وكأنها جزء من كياني.
كل شيء غامض.
هل كان ذلك اليوم مجرد كابوس؟
هل أنا فعلاً هنا الآن، أم أنني أعيش في وهم كبير؟
أنا التي صنعت جدرانًا حول نفسي لتخفيف العذاب، لكن كل شيء بدأ يتساقط، مثل أوراق الخريف المتناثرة في الرياح.
تساءلت عن الحقيقة، عن ما إذا كنت أعيش في عالم مليء بالأكاذيب.
مطر، أخي الحبيب، هل كان يعلم عن كل شيء. كيف استطاع أن يحافظ على هدوئه؟ كيف لم يتأثر؟
أم أنه كان يخبئ حقيقته هو أيضًا، تلك الحقيقة التي تحترق في أعماقه ولا يستطيع البوح بها؟
هل كنت أستحق هذا كله؟
هل كنت أستحق أن أعيش في هذا الفخ الذي حاصرني فيه القدر؟
أحتاج إلى إجابة، لكنني لا أريد أن أواجهها.
إجابة تعني أنني لا أستطيع الهروب بعد الآن.
لكن هل الهروب سيغير شيئًا؟
قمتُ من مكاني، أتنقل داخل الغرفة التي شعرتُ بأنها تضيق عليّ أكثر مع كل لحظة تمر.
ظلت أفكاري مشوشة، لا شيء يبدد هذا الصمت، غير أنني شعرت بشيء غريب يربطني بكل ما مررت به.
كنتُ على وشك أن أغادر إلى الخارج حين تذكرت تلك الورقة، الرسالة التي كتبتها، وكل شيء آخر.
هل كانت تلك الرسالة حقًا من بدر؟
أم أنه شيء آخر؟ هل أنا أعيش في عالم مليء بالأوهام التي يصعب تمييزها عن الحقيقة؟
توجهت إلى الطاولة وفتحت الظرف مرة أخرى، وكأنني أبحث عن دليل يبرئني من هذا العبء الذي يثقل قلبي.
لكن لا شيء، كانت الكلمات نفسها، تشير إلى نفس الفكرة، نفس الشعور المظلم الذي يعتريني.
كانت يدَي تتمزق وأنا أضغط على الورقة في قبضتي. كلماتها، خطوطها المشوشة، تفاصيلها التي لا تفارقني، كلها تنغرس في ذهني.
ثم، في تلك اللحظة، شعرت بشيء ينكسر بداخلي. كنتُ أهرب طوال الوقت، أهرب من الحقيقة، أهرب من نفسي. لكنني في النهاية، لم أستطع الهروب بعد الآن.
لا، أنا قتلته ودفنته.
كانت الكلمات تخرج من فمي وكأنها الصرخة التي لم أتمكن من إطلاقها طوال هذه السنوات.
كانت تلك هي الحقيقة التي لا أستطيع الهروب منها.
هذه أنا، هذه حياتي.
الحقيقة، مريرة، ثقيلة، وساكنة في عمق روحي.
لقد عشت سنوات طويلة في قلب هذا الكذب، وها أنا أخيرًا أعترف.
ما فعلته، لا يمكن أن يُغتفر. ولكن هذا هو ما أنا عليه الآن، وكل شيء آخر كان مجرد تهرب من نفسي.
كنت أظن أنني أستطيع تلاشي الحقيقة، إخفاء الماضي، إلا أن الماضي كان يصرخ في وجهي، وفي النهاية لم يعد هناك مجال للهروب.
هذه هي النهاية، بداية لشيء لا أعرف كيف أواجهه.
(30)
ظلّ يحترق.
جسده الصغير لم يعد يحتمل، عيناه نصف مغلقتين، أنفاسه ثقيلة، كأنه يعتذر لي على وجعه، كأنه يخجل أن يكون عبئًا آخر فوق ظهري المكسور.
ألمسه بلطف، أسقيه ماءً، أضع كمادات باهتة… وأتظاهر أنني أُعالجه، بينما الحقيقة أنني أداوي نفسي عبره.
في العتمة، يتصاعد بخار الزنجبيل بصمت، أرقب حركة البخار كمن ينتظر جوابًا من الغيب.
خرجتُ لأقطف النعناع من الشرفة.
لكن شيئًا بين الأوراق كان ينتظرني…
ظرف.
كُتب على غلافه بخط متردد:
“لم نفترق… لكننا لن نلتقي أبدًا.”
وملاحظة صغيرة تحته: “مقولة لمحمود درويش”.
هذه المرة… لم أتردد.
كنتُ مستعدة.
فتحت الرسالة، وقرأتها بنبض راجف:
**“الساعة الثامنة.
أنتِ الآن جالسة على الأريكة البنية، تحتسين البابونج، تقرئين لشكسبير، تُضيّقين عينيك رغم أن نظارتك بجانبك.
سهيل مستلقي على بطنه، يحلّ واجبه بتذمر.
بدر في الزاوية، يدخن سيجارة رخيصة ويتابع الأخبار، لا يدري أن قُبلة ساخنة على رقبته تخونه.
لم تكن منكِ.
لأنكِ كنتِ تنظرين إليه بقرف.
وأنا… خلف النافذة.
أجيء كل مساء لأراكِ.
تُغلقين كل الستائر حين يحين الليل، إلا تلك الواحدة.
كأنكِ تعلمين أنني هناك…
أو تتركينها مفتوحة لتتخيلي حياة لا تمتلكينها.
أما أنا، فكنت أتخيل الحياة معكِ داخلها.
أنا الجبان.
الذي ترككِ حين كُشف أمرنا، ولم يجرؤ على الدفاع عنكِ.
بحثت عنكِ طويلاً، حتى وجدتكِ.
لكنني، كعادتي، اخترت الظل.
اخترت أن أراكِ تموتين لتحيي… دون أن أتدخل.
ربما تمنيتُ أن يموت.
لكني لم أرد أن أتورّط في دم.
فسكتُّ.
وسقطت في ذنبٍ أعمق.
يا شمسي…
نحن لم نفترق،
لكننا… لن نلتقي أبدًا.”**
أغلقت الرسالة، ويدي ترتجف.
شعرت بشيء ينسحق داخلي، شيء لا اسم له.
أعدتُ الظرف إلى الطاولة، نظرت إلى ظلّ الممدد فوق الوسادة، وتمتمت:
“لقد كتب أنني كنت أترك النافذة لأحلم…
لكنني لم أكن أحلم،
ربما كنت أنتظر أن يراني أحد.”
باسل…
أعدتُ قراءة الرسالة.
باسل!
كأنّ شيئًا في اسمه لم يعد مألوفًا،
كأنّه يُنطق من فم غريب،
من ماضٍ موحلٍ لا يشبه هذا الحاضر…
ولا يرحم.
باسل…
هو من كان خلف كل هذا؟
الرسائل؟
النعناع؟
النافذة المفتوحة؟
الظلّ القريب؟
السكوت الطويل؟
الذنب المعلّق برقبة أحدٍ لم أجرؤ أن أحدّده؟
أنا لم أكن أنتظر بدر ليعود،
ولا مطر ليبرر،
كنت أريده هو…
منذ تركني أول مرة…
وأطلّ ثانية، من خلف كل هذا الانهيار،
لينهار هو أيضًا، في كلماته.
أحسست أن كل ما فيّ قد انكمش،
عقلي لا يريد التصديق،
وقلبي…
قلبي مجهد.
مجهد جدًا.
كل شيء حولي أصبح ثقيلاً،
حتى جفوني.
حتى الهواء.
“لم نفترق… لكننا لن نلتقي أبداً.”
جملة لا تُفهم إلا حين تعيشها.
وضعتها بجانبي. لم أعد أريد التفكير.
ولا البكاء.
ولا حتى الغضب.
كل ما أريده الآن…
هو نومٌ عميق،
ينطفئ فيه كل شيء.
(31)
خيبة ما بعد الحلم
كان اسمه باسل.
وكان يشبه الهدوء في أول المطر، ويشبه العاصفة بعده.
كنا نضحك… كثيرًا، وربما لهذا بكيت بعده أكثر.
أحببته في الخفاء، لأن النور لم يكن رحيمًا بنا.
أحببته كما تحب الفراشة نارًا لا تلمسها،
لكنها تدور حولها حتى تحترق.
كنتُ قبالة العشرين، وكنتُ أحلم.
وكان هو يحلم بي.
قالها مرة: “أريد أن أُخرجك من هذا المكان، أشتريك من العالم كله وأضعك في علبة زجاج.”
ضحكت، قلت: “سأختنق.”
فردّ: “سأكسرها، لكنك لن ترغبي في الخروج.”
كنا نلتقي عند السور الخلفي،
حيث لا أحد يسمع سوى الريح،
ولا أحد يرى سوى قلوبنا التي تصفع الهواء بشوقها.
كنت أكتب له على أوراق دفتر المدرسة،
وكان يردّ عليّ على علب العلك،
أيامٌ لم نمتلك فيها شيئًا سوى الكلمات،
لكنا كنا نظن أننا نملك العالم.
حتى جاء اليوم الذي تهشّم فيه كل شيء.
كُشف أمرنا.
أخي مطر… وجهه ما زال يصرخ في ذاكرتي.
الغضب، والخذلان، والخوف… كلّها كانت في عينيه.
كان صغيرًا يومها، لكنه ظنّ أن العالم أكبر من أن نتحمل عاره.
زوّجني من رجلٍ لم أكن أعرفه،
وباسل… اختفى.
ترك كل شيء.
تركني.
وحين احتجته، حين كنتُ أموت كل يوم…
كان يراقبني فقط.
من بعيد.
يسجّل حزني في مذكراته، ويراقبني أنطفئ، دون أن يمدّ يده.
هذا هو الحلم الذي احترق…
وهذه هي الخيبة التي جاءت بعده.
أحببته، نعم.
ولا أعلم إن كنت ما زلت أحبّه الآن،
لكنني أعلم أنني لست كما كنت.
وأنه لم يكن كما وعد.
أذكر جيدًا آخر مرة همس لي فيها “أحبك”.
كنا واقفين خلف مبنى المدرسة القديم،
والريح تلعب بشعري، وهو يحاول أن يلتقط أنفاسه بين كلمتين.
قالها كأنها صلاة.
قالها وكأنها لن تتكرر.
وصدق… لم تتكرر.
مرت سنوات، وكنت أظن أن قلبي قد نسي ملامحه…
أن صوته تلاشى، أن عطره ضاع بين الروائح.
لكن الرسالة أعادته.
كلّه.
بقسوة صمته، بجبنه، بانكساري أمامه، وبحبّي الذي ظل حيًا رغم أني قتلته ألف مرة.
لماذا الآن؟
لماذا تتركني أدفن بدر وحدي، ثم تأتيني كأنك النور؟
كأنك الغفران؟
كأنك كنت تحارب من أجلي في الظلال بينما كنت أموت في النور؟
يا باسل…
أنت لم تنقذني.
ولا تستحق أن تسامحك ذاكرتي.
انكمشت على نفسي في زاوية الغرفة،
يدي ترتجف، الرسالة تنكمش في راحتي كأنها جزء من جلدي،
عيناي فارغتان، وكل الأصوات انطفأت.
حتى ظل… كان ممددًا على بطانيته القديمة، يئن بصوت خافت.
نظرت إليه، اقتربت، وضعت رأسي بجانب رأسه،
مسحت على جسده المحموم، وبكيت بصمت.
“حتى أنت يا صغيري، تتعب في صمتي…”
أخذني الليل كما يأخذ الموج غريقه.
لم أدرِ متى أغمضت عيناي.
لكنني نمت.
لأول مرة، نمت وأنا أرتجف من الدفء… لا من البرد.
(32)
غدًا لن يأتي
كنت أعبث بالمنزل كما أفعل كل صباح… أغسل، أنظّف، أكنس الزوايا القديمة من روحي.
خبزت خبزي المعتاد، ذاك الذي لا آكله إلا لأقنع نفسي أنني ما زلت أنا.
عصرت بعض البرتقال، وسكبت العصير بكأسٍ شفاف كما أحب…
نظرت إليه، إلى ظل.
كان نائمًا.
تنهدت..
باسل!
هل تغير؟
أم أن قلبي من تبدّل؟
هل صار صوته أخفض؟
هل كبر فجأة؟ أم صغُر؟
هل صار يحمل على ظهره كل هذا التعب الذي لم أعرفه؟
تقدّمت لأطعمَه، كعادتي،
لكن الطبق بقي ممتلئًا.
ظلّ لم يتحرّك.
ظلّ لم يفتح عينيه.
ظلّ مات.
كما لو أنه كان ينتظر هذا اليوم… غدًا، اليوم الذي كنت أظنه يوم موتي.
لكنه سبقني.
شهقت،
صرخت،
لطمت خديّ كما تفعل النساء حين ينكسر قلب العالم.
أمسكت جسده الصغير المرتخي بين ذراعي،
ضممته إليّ،
قبّلته فوق رأسه الصغير، مرّغت وجهي في فروه البارد.
“سامحني يا ظل… كنت أعرف، ولم أفعل شيئًا… سامحني.”
لففته بالسترة التي حكتها له تلك الليلة
دفنته بيديّ.
مرّت ذكرى بدر من أمامي،
وجهه كان ضبابًا، صوتُه سرابًا،
لا شيء حقيقي إلا هذا الموت.
رفعت بصري،
الكناري يطير،
يعيش،
وأنا؟
أقتل من في حياتي، الواحد تلو الآخر.
سقطت على السرير كحجر.
ونمت.
ليوم، ثم يومٍ آخر.
حين استيقظت، تحسّست قلبي…
ما زال ينبض.
لم أمت.
لكن شيئًا فيّ مات.
ثم نمت من جديد.
استيقظت في اليوم الثالث،
بلا ظل.
بلا صوت خطواته الخفيفة وهو يتبعني من غرفة لأخرى.
لا مواء، لا دفء.
حتى الكناري صار صامتًا… كأنه يحترم حزني أو يخاف من لعنتي.
قمتُ،
غسلت وجهي بماء بارد،
علّه يوقظني من هذا الثقل العالق على صدري.
لكن كل شيء كان حقيقيًا حد القسوة.
مشيت في البيت كما لو أنني أتعلمه من جديد.
أفتح الأبواب ببطء،
أتفقد الزوايا كأنني أبحث عنه…
أقنع نفسي أنني واهمة،
أنني سأجده نائمًا على الكنبة القديمة،
أو متكورًا فوق الوسادة التي يحبها،
لكنه ليس هنا.
ولا هناك.
وقفت أمام المرآة.
وجهي،
عيناي،
الخطوط الدقيقة التي بدأت تظهر بوضوح…
هل كبرت فجأة؟
هل مرّ العمر كله في تلك الليلتين؟
هل أصبحت مثل البيت… قديمًا وصامتًا ومهجورًا من الداخل؟
عدت للمطبخ.
الكوب الذي لم أغسله.
أثر الشاي الجاف.
رائحة البرتقال القديمة.
كل شيء ثابت، وأنا… أنا الوحيدة التي ذابت.
جلست على الأرض،
حاولت أن أبكي،
لكن الدموع خانتني هذه المرة.
لم أملك غير التنهيدة،
وذاك الشعور الملتبس بين الندم والخواء.
تذكّرت الرسالة.
تذكّرت باسل.
تذكّرت الحب الذي ضاع،
والحياة التي اخترت أن أعيشها تحت الأرض.
همست لنفسي:
“لعلّ ظلّ لم يتحمّل كل هذا الكتمان… فاختار الرحيل عنّي قبل أن أرحل عنه.”
ثم نظرت للنافذة التي لم أغلقها منذ رحل،
وقلت:
“ربما… حان وقت أن أفتح الباب، لا النافذة فقط.”
نهضت ببطء.
دثّرت الفراغ ببطانية قديمة،
وحملت نفسي من جديد.
(33)
أقرب من الندم، أبعد من التعافي
ما زلت نائمة،
أو على الأقل جسدي كان كذلك.
لكنني شعرت به،
بخطواته الثقيلة الخفيفة،
بالصمت الذي يحاول ألّا يُربكني،
بالدفء الذي يتسلّل من المطبخ مع رائحة البيض والنعناع والشاي.
عرفته قبل أن يهمس.
عرفت أنه مطر.
وأنه يعدّ الإفطار كما كان يفعل حين كنت أنهار بصمت.
لم يوقظني،
لكنه رفع صوته كمن يترك الباب مواربًا للعودة:
- البارحة زرت والدتنا… وسهيل كان هناك، وتحدّثنا.
شعرت بالوجع يتحرّك.
قمت ببطء،
نظرت إليه، كان يمضغ لقمة كبيرة من الخبز والزيتون.
ذهبت للحمّام.
غسلت وجهي كمن يغسل خيبته.
عدت، أغلقت الباب،
ارتديت بيجاما نظيفة،
قسمت شعري إلى ظفيرتين كما كنت أفعل حين كنت أقاوم الحياة لا الهرب منها،
وخرجت.
جلست قبالته.
نظرت لوجهه،
فقال بهدوء:
- ما بك؟
نظرت لزاوية ظل،
لم تكن مليئة بالحياة كالسابق،
كانت فارغة…
وموجعة.
- مات منذ ثلاثة أيام.
قلتها كأنني أنقل خبر موتي لا موته.
تنهد مطر،
ثم تمتمت:
“ثلاثة أيام! بدت لي كسنوات.”
لم يعلّق، فقط صمت…
صمت يعرفني.
بدأت أضع الطعام في فمي.
بلا طعم.
بلا شهية.
أردت فقط أن أشارك مطر الحضور، لا الإفطار.
قال فجأة:
- رأيت سهيل، كبر كثيرًا.
أخجل أن أنظر في عينيه…
هو يعلم، لم يخبره أحد،
لكنه يعلم.
تحدّثنا قليلاً، هو بخير، علاماته المدرسية جيدة، يشتاق إليك.
قاطعته، وقاطعني وجعي:
- هل سأل عني؟
نظرت لعينيه كأنني أبحث عن خلاص.
قال:
- ليس بشكل مباشر…
لكنه سأل.
ساد الصمت…
صوت مضغه فقط،
ثم أخرج من حقيبته كتابًا،
غلاف غير مألوف،
A Little Life
وقبل أن أسأل، قال:
“تحدّثنا أنا وأمي…
أشارت إلى هذا الكتاب،
قالت إن سهيل يقرأه الآن.
قال إنه لو كنتِ هنا… لكان ظلّ يتحدّث معك عنه.
لم أتمالك نفسي.
انهرت.
بكيت كما لم أفعل منذ سنوات.
بكيت ظلًا، وسهيلًا، وباسلًا، وبدرًا، وبكيتني…
وبكيت كل شيء.
مطر… دمعت عيناه.
بهدوء، اقترب،
ناولني الكتاب،
التقطته ضممته إلى صدري كأنني أحتضن ابني نفسه.
شكرت مطر بصوت منخفض.
عدت إلى غرفتي.
أغلقت الباب،
أخرجت صورة سهيل، والسلسلة، والدُمية التي كان يحبها.
وضعتهم حول الكتاب،
واستلقيت بجانبهم.
كأنني أجمع فتات ابني،
بأشياءه الصغيرة،
بأثره.
بعد ساعتين، خرجت.
مطر ما زال هناك.
في يده جريدة قديمة،
حين رآني، طواها بهدوء، وضعها أمامه، وقال:
- اجلسي… أنتِ بخير؟
قلت بلا يقين:
- لا أعلم.
سكتنا.
ثم ظهرت ابتسامة على وجهه، وقال كمن يهمس للحياة:
- اقتربتِ من الأربعين… ثمانٍ وثلاثون عامًا بعد أيام قليلة… هاه؟
أجبت كمن فاته قطار العمر:
- وما فائدة العمر؟
اقترب مني.
قال بصوت حنون:
- أنا معك… حتى حين تهزمك نفسك.
لا أدري كيف اقتربت منه…
غمرته.
ربما لأنني كنت أحتاج أن أشعر أنني لا زلت على قيد الأمان.
أن هناك من يشهد على انكساري دون أن يجرّمني.
حين ابتعدنا، قال بنبرة جادة:
- لا تعانقيني مرة أخرى.
نظرت إليه، لم أدرِ إن كان يمزح…
حتى ضحك فجأة وقال:
- الإخوة لا يعانقون… الإخوة يتشاجرون فقط.
قبّل جبيني.
وغادر.
وبقيتُ…
وحيدة،
لكن أقلّ ظلامًا.
أقلّ وحدة.
(34)
رمادٌ لا يُبكى عليه
جلستُ أمام الطاولة الخشبية الصغيرة، وضعتُ أمامي ورقة بيضاء، وقلبي.
أردت أن أكتب له،
لسهيل.
“ابني،
هل لا زلت تشبهني؟
هل تضحك كأبيك وتغضب مثلي؟
هل شعرك ناعم كما كان وهو نائم على صدري؟
هل صوتك تغيّر؟
هل صرتَ رجلًا قبل أن أحظى بلحظة وداع واحدة؟”
أعدتُ قراءة ما كتبت،
تمزّقت كل سطور العالم بداخلي.
لا فائدة.
محوت كلماتي.
بل مزّقتها بيدي.
ورقة وراء الأخرى، حتى امتلأت الأرض بما لا يُقال.
عدت للغرفة،
فتحت الدرج الذي لم أفتحه منذ زمن.
الدرج الذي يخبئ رائحة خيبتي.
رسائل باسل…
خطّه الذي كنت أحبه أكثر منه،
كلماته التي كانت ملاذًا ثم سكينًا.
قرأتها كلها،
مرة تلو الأخرى،
كأنني أبحث عني بين سطوره، أو عنه داخلي.
لكني لم أجد شيئًا.
لا شيء.
سوى الخذلان،
سوى موت الحب ببطء،
بلا ضجيج.
جمعتها،
طيًّا بعد طيّ،
كما يُطوى الميت في كفنه.
خرجت.
تعمّدت أن أخرج.
وقفت في الساحة الصغيرة أمام البيت،
رفعت رأسي نحو التل الذي كنت أخشى أن يراقبني منه،
التلّ الذي كنت أتخيّله مأهولًا بعينيه،
صمته،
انتظاره الغبي.
أشعلت عود الثقاب.
ورقة… ثم ورقة… ثم كلها.
النار كانت سريعة.
كأنها كانت تنتظرني منذ زمن.
راقبت الرماد يتطاير،
يتلاشى،
ينتهي.
وتمنيت…
لو كان هناك،
لو رأى.
كنت أريده أن يظن – كذبًا – أنني لا زلت أراه،
أنني خرجت من أجله،
أنني متأثرة به…
لكنه لا يعني شيئًا.
ولم يعد يعني.
ولو كذبًا.
عدت للداخل،
خطوتي أخفّ.
قلبي أخفّ، وإن لم يكن أهدأ.
أظن أنني بدأت أشفى،
أو بدأت أموت بشكلٍ أنيق.
فتحت كتاب ابني.
بدأت أقرأ بحماسٍ يشبه فضول الأمومة حين تتسلل إلى عوالم لا تعرفها، فقط لأنها تخصّ طفلها.
أفهم جزءًا، وأتجاوز آخر لا أفقهه.
أعود، أعيد، أتابع.
مرت الساعات،
وحلّ الليل.
كوب الشاي الذي أعددته صار مثلجًا.
تذوّقته فبصقته بضيق في الكوب ذاته.
أعددت غيره، ولم أرتشفه.
تابعت القراءة…
كأنني أفتّش بين السطور عن بقاياه،
عن صوته،
عن رائحته.
حتى سقطتُ على جملة…
مزّقت قلبي إلى سبعين قطعة.
شتّتت روحي كمن فُتح داخله باب إلى جحيمه الخاص.
بكيت.
هل…
هل لأجل هذه الجملة فقط أراد سهيل أن يناقشني في هذا الكتاب؟
هل حمل الكتاب إليّ بصمت، وهو يفتش عن عينين تشبه عينيه لتفهم؟
أشيح بوجهي عن الصفحات،
لكن الكلمات تطاردني،
كأنها حفرت ذاتها داخلي:
“We don’t get the families we deserve.”
لا نحصل على العائلة التي نستحقها.
استلقيت…
كل ما فيّ انهار بهدوء.
ونمت.
نمت كأنني أخون كل شيء،
كأن النوم هو الطريقة الوحيدة لأتوقّف عن الإحساس.
(35)
رأيتني في مكان لم أطأه من قبل، ومع ذلك بدا كأن قلبي يعرفه جيدًا… بيت حجري صغير، يطل على بحيرة بلورية ساكنة، تحفّه أزهار بريّة وأشجار كثيفة تعانق الضباب. كانت الطاولة الخشبية في الخارج تنتظرنا، أنا وسهيل، وباسل.
نعم، باسل كان هناك. لم يكن غائبًا أو غاضبًا، لم يكن شيئًا من كل ما كان عليه في الواقع. كان يبتسم.
سهيل يضحك، يمد يده ليمسك بيدي، يقول لي: “انظري ماما،بابا يقول هذا بيتنا الجديد!” ويشير لباسل وضعت كوب القهوة على الطاولة بجانب البيض المقلي والسلطة الطازجة، وحين التفت إليه، شعرت أنني أخيرًا في مكاني الصحيح.
لكن الريح بردت فجأة، والمشهد بدأ يتلاشى.
استيقظت.
لم يكن هناك ضحك، ولا بحيرة، ولا بيت يخصنا… فقط سقف الغرفة المتشقّق، وصوت في داخلي يهمس:
كان حلمًا، لكني اشتقتُ إليه كأنه كان حياة.
…أفتح عيني على بطء ثقيل، كل شيء حولي ضبابي، والرائحة… كأنها دخان محترق وورد ذابل. أحاول تحريك رأسي فيؤلمني، أطرافي باردة، وعقلي لا زال عالقًا في وجه سهيل. صوته يرنّ في رأسي كصفعة.
“ماما، لا أحبك.”
أبكي، لا أدري إن كان دمعًا فعليًا أم مجرد شعور خانق، لكنني أبكي.
كانت الحمى قد التهمت وعيي، لكن الألم الحقيقي كان في روحي. ذلك الحلم، أو الهذيان، أو الندم المقطّر في هيئة كلمات طفل.
أمد يدي بتثاقل، أتحسس الأرض من حولي، أبحث عن شيء يمسك بي… شيء يربطني بالحياة. لا أجد سوى الرماد المتناثر من رسائل باسل… وورقة لم تكتمل احتراقًا.
أسحبها ببطء، أقرأ:
“إن عدتِ يومًا للمكان الذي حلمنا به،
لا تنسي أن تطلي النافذة باللون الأخضر…
اللون الذي يشبه قلبك.”
أشهق، ثم أضحك… ثم أبكي من جديد.
أين أنا؟ من أنا الآن؟
وإن عدت، هل سيكون هناك من ينتظر؟
…لم أفق تمامًا، بل غرقت أعمق.
في ظلال الغيبوبة، تهادى طيف سهيل أمامي. لم يكن طفلًا كما أعرفه، بل ظلًّا طويلًا، خفيف الخطى، يهمس ولا يُجيب. كان يلبس قميصه المدرسي، لكن أكمامه مبللة، كأن المطر بلّله أو… دموعي.
اقترب، وجلس عند رأسي. شعرت بأنفاسه على جبيني المحموم، لكنه لم يربّت، لم يهمس “ماما”، لم يبتسم. فقط نظر إليّ بعينين فارغتين، ثم قال:
– انتهى وقتنا.
ارتجف قلبي. همست بلهاث:
– لا تذهب… أرجوك يا سهيل، ماما هنا… سامحني…
أدار وجهه للبحيرة التي لم تكن هناك أصلًا، فقط جدار الغرفة، ثم نهض. خطواته خفيفة، لكنها تزلزل رأسي. صرخت:
– سهيل لا تتركني، سهيل، ماما تحبك!
ابتسم أخيرًا، لكنها لم تكن ابتسامة، كانت قسوة صافية. وقال:
– لو كنتِ تحبينني، ما كنتِ قتلتِ حلمي.
ثم اختفى… كما أتى.
صمت.
عتمة.
برد.
ثم صوت بعيد جدًا، كأنه يأتي من تحت الماء:
– شمس! شمس! افتحي عيونك!
كان صوت باسل.
لكني لم أستطع.
الحمى عالية، وقلبي مثقوب، والندم ثقيل.
ربما…
لن أفتحها أبدًا.
وهكذا، انطفأ الطيف، وسكن الصدى، وبقيت وحدي في العتمة.
كان يومًا غريبًا… مشوشًا، محمومًا، ملوثًا بالهذيان.
يوم الأحلام، والهلوسة، والمرض.
لكن رغم كل ما اختلط وتلاشى،
كان هذا اليوم أوضح من الست السنوات الماضية كلها.
كأن كل ما عشته كان ضبابًا…
وهذا الألم—هو الحقيقة.
(36)
لقاء قلبين”
رأسي ما زال يؤلمني.
أكملت القراءة من كتاب سهيل، أحاول التماسك… لكن الصداع كالمطر، لا يُمهل.
صفحات الكتاب بدأت تتداخل، بعض الجمل تنبض، وكأنها كتبت بدمه.
وفجأة—
ثلاث طرقات على الباب.
ثم هدوء.
رفعت رأسي.
أغلقت الكتاب.
وقفت ببطء، تقدمت نحو الباب. فتحته.
ذهلت.
أغلقت الباب فورًا، شهقت.
– “هل أُهلوِس من جديد؟”
فتحت ثانية. تأملت.
أغلقت.
من الخارج، جاء صوت مطر:
– “شمس، افتحي.”
فتحت.
بكيت، بكاءًا سريعًا، صامتًا، بلا خجل.
لكن…
مطر لم يكن وحده.
خلفه، فتى يحمل قطعة كيك، وعلى وجهها شمعتان: 3-8.
وبالونان ملونان يتمايلان بخفة.
عينا مطر تلمعان بدموع متماسكة.
أنا أتراجع للوراء…
قلبي يرتجف.
إنه هو.
سهيل.
صغيري… رفيق حياتي البعيد… قلبي الذي غاب.
كان أطول، أنحف، أنضج.
ينظر إليّ باستغراب.
يريد أن يبكي… لكنه لا يفعل.
قطع مطر هذا السكون الثقيل:
– “ندخل، أم نغادر؟”
وقفت جانبًا من الباب.
دخلا.
يا الله… أصبح رجلاً.
هل خمس عشرة سنة تكفي لتصنع من الطفل رجلاً؟
لم أزحزح عيني عنه. لم نتكلم. فقط تبادل نظرات طويلة.
جلسا على الأريكة.
قربت الطاولة، وضعا ما بيديهما.
سحب مطر الكرسي، جلست أمامهم.
بادرت بصوت مرتجف:
– “كيف حالك؟”
نعم، فقط هذا.
لم أستطع قول شيء آخر.
رد بصوت متردد:
– “بخير… وأنتِ؟”
– “حييت برؤيتك، عزيزي.”
لم أستطع أن أنطق اسمه. لا في حضرته. لا الآن.
نظرت إلى الكعكة…
وعليها صورتنا، أنا وهو.
صورة لم أرها من قبل.
متى التقطناها؟ من احتفظ بها؟
كان عمره سنة تقريبًا… وجهه وجه ملاك.
قال مطر بصوته الدافئ:
– “غدًا ميلادك. كل عام وأنتِ بخير.”
مدّ يده، طبطب على يدي. ابتسم.
ثم تحجّج بأمور تافهة ليخرج… ويتركنا وحدنا.
غادر، لكن في الحقيقة… وجوده كان يهوّن.
راقبت خطواته، أقفل الباب بنعومة.
لوّح لنا من النافذة.
رفعت نظري بسرعة، لا أريده أن يرحل دون أن أراه.
بادر سهيل بالكلام، صوته متوتر:
– “هنا إذًا… مكان جميل، لكن لا أظنه يشبهك.”
ضحك، بين الكلمة والأخرى توتر واضح.
أكمل:
– “تغيرت ملامحك… ما زلتِ جميلة، لكن فيكِ شيء من الريبة.”
قاطعته، قلبي يقفز في صدري:
– “أنا آسفة… آسفة على كل شيء.
لا أعرف كيف أعتذر عن كل السنوات التي تركتك فيها.”
لكنّه قاطعني، صوته منخفض، ثقيل:
– “أخبرني خالي، لا داعي. أفهمك.
كان قاسيًا… نذلًا مع كلينا. لا يهتم لأمر أحد.
يجلب النساء للمنزل، لا يحترمك، لا يخاف ضياعي.”
سكت لحظة، ثم قال:
– “كنت صغيرًا، لكنني كنت أرى…
نظراتك المتقززة له، حين يمسح مخاطه على الأريكة،
حين يعود تفوح منه رائحة السم،
حين يرمي طبق الغداء لأنه لم يعجبه.”
تنهد، وقال:
– “لم أكن أحبه.
كنت أتحاشاه.
لكن… لم أتوقع منكِ هذا.”
ابتلعت ريقي، وسمعته يقول:
– “قلتِ إنك ستتركينه… وتأخذيني.
لكنك تركتِني أنا. وقتــ…”
– “أرجوك… لا تكمل. أرجوك…”
بكيت.
وبكى، لكن قليلًا.
ثم مدّ يده، أمسك كتفي، وقال بصوت ناعم:
– “لا ألومك.”
انهمرت دموعي أكثر.
– “هل… تسامحني؟”
سكت.
سكت طويلًا.
ثم قال:
– “لا أعلم… الحقيقة ثقيلة الآن. ومريرة جدًا.”
دخل مطر.
قطعنا الكيك.
أكلنا.
أخذت قطعة فيها وجه سهيل، وأخذ هو القطعة التي تحمل وجهي.
نهض سهيل، تجول قليلًا في الغرفة.
همس، كأنه يكلم روحه:
– “يكتم الأنفاس…”
اقتربت وسألته:
– “ما الذي يكتم الأنفاس؟”
قال ببساطة:
– “البُعد.”
أردت احتضانه، لكنني لم أجرؤ.
نهض مطر، نفض فتات الكعك من حجره، وقال:
– “علينا المغادرة.”
بهذه السرعة؟
لماذا لا يطول اللقاء كما يطول البُعد؟
لكن…
رأيت ابني.
ولو لثوانٍ، كانت كفيلة بإعادة نصف حياتي المهدورة.
عند الباب، خفت من لحظة الوداع.
تقدّم سهيل، نظر في عينيّ بعمق، وقال:
– “أمي…”
ثم… غمرني.
غمرني بكل قوته.
تنفست كل هواء الغرفة.
بكيت، وتشابكت أضلاعنا.
– “حبيبي الصغير… سهيل… ابني…”
لا أعلم كم من الوقت مضى،
خمس دقائق؟
عشر؟
كنا مشدودين لبعضنا كأننا نُبعث من جديد.
أصدر مطر صوت شهيق…
كان يبكي هو الآخر.
مددت يدي له،
سحبته لعناق جماعي.
بكينا… ثم ضحكنا.
وقبل أن يغادروا، قال سهيل بحماس:
– “سنأتي قريبًا… آمل ذلك.”
صرخت قبل أن يختفوا:
– “دقيقة!”
ركضت إلى الغرفة.
أخرجت الصندوق…
كل شيء فيه:
رسائلي التي لم تصله،
أوقاتي المكسورة،
تبريراتي،
ألمي،
وحدتي،
بكائي،
وكل السنين الضائعة.
أعطيته له…
بيدين باردتين، كما لو أني سلّمته قلبي.
ركب السيارة…
واختفى.
في قلبي.
(37)
قبل أن تنطفئ الشمعة
أغلقت الباب خلفهما، وما زلت أشم عطره.
مطر… وسهيل.
جاءا كنسمةٍ في صيفٍ لا يُحتمل. غادرا كأنهما حلمان لم يُكتملا.
لم أتحرك من مكاني. كنت واقفة أمام الباب كتمثال.
الغرفة ما زالت دافئة من أنفاسهم، والمقاعد تحمل آثار جلوسهم. فنجان مطر نصف ممتلئ، وقطعة الكعك التي لم تُؤكل بالكامل، وكأنها تنتظر أن يُكملها أحد.
مشيت نحو الكرسي الذي جلس عليه سهيل، جلست مكانه. وضعت راحتي على ذراعه الخشبية. أغمضت عيني.
“أمي…”
صوته ما زال في أذني.
عناقه ما زال يشد أضلعي حتى الآن.
هل كنت أستحقه؟
هل سامحني فعلًا؟ أم أنها شفقة؟ أم مجرّد لحظة ضعف من ابنٍ ضائع؟
نظرت إلى الطاولة، إلى الكعكة، إلى صورتي وصورته.
كل شيء فيها يخبرني:
الزمن لا يعود، لكنه أحيانًا… يزورها.
كالضيف.
قمت، وتوجهت إلى الغرفة.
الصندوق ما زال مفتوحًا…
مكانه في حضن سهيل الآن.
أين أضع نفسي بعد هذا؟
هل انتهت الرحلة؟
هل اقترب الوقت الذي أخشاه؟
أردت أن أكتب له رسالة.
لكن يداي لا تتحركان.
كأن كل الكلمات التي عشت لأجلها، انتهت في اللحظة التي قال فيها “أمي”.
جلست قرب النافذة.
ظلي ينعكس على الزجاج.
والعتمة تبتلع وجهي.
أشعلت شمعة.
ثم كتبت على ورقة صغيرة:
“إن عدت يومًا، ولم تجديني… فاعلم أنني سأعود إليك بذاكرتي، مرارًا.”
وضعتها في الدرج. أغلقت عليه.
وانطفأت الشمعة.
والآن …
لا أمانع ان كنت
سأموت غدًا!
38)
"الثامن والثلاثون للأبد"
قبل أن أخلد للنوم، سمعت صوت محرك سيارة.
مطر؟ مستحيل، كان هنا في الصباح.
أضواء السيارة اخترقت عتمة المنزل، تناثرت على الجدران كأنها تكشف أشياء لا يجب أن تُرى. أحدهم نزل منها. مرّ وقت طويل، لم يُطرق الباب، ولم أخرج. نصف ساعة وربما أكثر وهو هناك… واقف لا يتحرك.
تقدّمت إلى الباب، مددت يدي نحو المقبض، أمسكت به، أدرتُه ثم أعدتُه إلى مكانه. كررتها كثيرًا.
وأخيرًا… فتحته.
الضوء سطع في وجهي، أعمى عينيّ للحظة، لكنني استطعت رؤيته…
كان هناك.
واقف كأنه فزاعة تُحرس بها الحقول المهجورة من الأشباح.
أزحت جسدي قليلاً إلى اليسار… لكنه لم يتحرّك.
بدأت ملامحه تتّضح، تتكشّف، تسقط عن وجهه المسافات والزمن، شيئًا فشيئًا.
شهقت:
– باسل؟
ثم… دقيقتان أو دهر كامل من الصمت.
همس:
– شمسي…
الأرض تحترق تحت قدميّ.
النار تلتهم الفراغ.
الريح تصفع اللهب بيننا.
أنا أختنق.
لا أركض إليه.
لا يقترب منّي.
لا نتحدث.
فقط نحترق.
خطا خطوة إلى الوراء دون أن يدير ظهره.
أعيننا لا تزال متقابلة، لا نرمش.
أشعر به… يحفَظ ملامحي.
يعد التجاعيد حول عينيّ.
يحاصر دموعه.
ربما… للمرّة الأخيرة.
ركب سيارته ورحل، والنار تتبعه.
ظلّت عيّنايّ عليه حتى ابتلعته العتمة.
فعلت مثله. خطوة إلى الوراء.
أغلقت الباب.
وسقطت على الأرض.
إنني أرى الموت.
أغمضت عينيّ.
دقّت ساعة منتصف الليل.
وأكملت عامي الثامن والثلاثين…
للأبد.
النهاية
“تسافر شمس عبر عتمة ذكرياتها، حيث يتداخل الماضي مع الحاضر، والندم يرافق كل خطوة في سعيها لفهم ما فقدته وما لا يمكن استعادته. رحلة مليئة بالوحدة والوجع، تبحث فيها عن معنى لوجودها في عالم غارق في الصمت والفقد. لقاءات لم تكتمل، أرواح لا تزال معلقة بين الشكوى والمغفرة، وحب مفقود يعيد فتح جروح لم تلتئم. قصة عن الانتظار، عن الموت الحي الذي يعشش في القلوب، وعن اكتشاف الذات بعد مرور سنوات من الألم والندم.”







































جميييل🥹🤍
مبدعة جداً الموهبة واضحه لأول مره تشدني رواية واكملها الى النهاية رائعة
الكلمات، التعبير، الاسلوب كل شيء خيال ويأسر القلب حرفياً ابدعتي🥹🤍🤍