يقول دوستويفسكي: «الإنسان مخلوق يستطيع أن يعتاد كل شيء، وهذه ربما أعظم قوته… وأعظم مصيبته.» لكن ماذا يحدث حين لا يعتاد؟ حين يظل جائعًا، سنوات طويلة، ثم ينفتح له الباب فجأة؟
الجوع الذي يفتك بالإنسان من الداخل، وما أقصده بالجوع هنا ليس جوع المعدة فقط. بل جوع للحنان، جوع للحرية، جوع للاعتراف، جوع للفرص التي يراها أمامه بينما هو يظل محجوبًا خلف الزجاج. هذا الحرمان الطويل يحفر في الروح حفرة سوداء. ومع كل يوم يمر، تتسع تلك الحفرة، تصير أعمق من أن تُملأ بسهولة. فالنفس البشرية حين تُحرم طويلاً تتحول إلى وحش صامت. قد تبتسم، قد تعيش، لكنها تعيش على هامش الأشياء. وما إن تُفتح الأبواب فجأة، حتى يخرج ذلك الوحش، لا يعرف الشبع، لا يعرف الاعتدال.
أسألُ نفسي … لماذا نخطئ بعد انفتاح الفرص؟
هل المسألة هي الخوف من العودة للحرمان؟ أن الإنسان الجائع يلتهم كل ما أمامه، ليس لأنه يحتاجه الآن، بل لأنه يخشى أن يُسلب منه غدًا. أم فقدان معايير الكفاية؟ هل من حُرم طويلاً يفقد إحساسه بالحدود، لا يعرف أين يبدأ الاكتفاء وأين ينتهي الطمع؟ أم أنها ربما رغبة الانتقام من الماضي؟ كل تجربة، كل محاولة، تتحول إلى ساحة انتقام من السنوات التي ضاعت. فيبالغ، يستهلك، يحرق نفسه.
تخيّل معي: سجينًا قضى عشرين عامًا في زنزانة ضيّقة، رطبة الجدران، لا نافذة فيها سوى فتحة صغيرة يدخل منها ضوء باهت، بالكاد يفرّق بين الليل والنهار. أرضها باردة، رائحتها عفن ورطوبة، وسقفها منخفض حتى كأنه يكاد يطبق على رأسه. صارت خطواته محدودة، وصوته مكتومًا، حتى أن تنفّسه كان له صدى مُتعب. في تلك العزلة الطويلة، لم يعد يتخيّل سوى شوارع واسعة وهواء حرّ، كان يظن أن الحرية دواء لكل ما تآكل من روحه. لكن حين فُتحت الأبواب، وحين دفعه الحارس خارجًا إلى المدينة، اصطدم بعالم أكبر من احتماله: الأضواء الكثيرة كأنها سكاكين تمزّق عينيه، الأصوات المختلطة من ضحكات وضجيج سيارات تصدم أذنيه كقصفٍ متواصل، الشوارع العريضة التي حلم بها صارت اتساعًا مخيفًا، بلا جدران يسند نفسه عليها. الحرية التي انتظرها يومًا صارت عبئًا؛ صارت خواءً هائلًا أمام رجل لم يتعلّم سوى المشي في مترين ذهابًا وإيابًا. الإنسان بعد الحرمان الطويل لا يخرج ليعيش الحياة، بل ليواجه امتحانًا مزدوجًا: أن يعتاد على الوفرة التي لم يعرفها، وأن يسيطر على قلبه الجائع الذي يرفض الرضا. وهنا تكمن المأساة الحقيقية: أنه يلهث وراء كل شيء، يحاول ملء فراغ لا يزول، ويخاف أن يعود الجدار ليحتضنه من جديد، حتى ولو كان الجدار مجرد ذكرى.
المشكلة أن هذه الاندفاعة الأولى تُفسد ما ننتظره. فالجائع للنجاح قد يركض في كل اتجاه حتى يفشل في كل شيء. والجائع للحب قد يخنق الطرف الآخر بحاجته الملحّة او غيرته المَرَضية حتى ينفر منه. والجائع للمال قد ينهش نفسه بالطمع حتى يفقد روحه. وهنا تتحول النعمة إلى نقمة. الحرمان كان جرحًا، لكن التخمة تصبح لعنة.
والحل الذي ربما أغلبنا لا يريد أن يسمعه هو أن الاعتدال ليس كلمة رومانسية. الاعتدال هنا أشبه بالمتاهة التي لا نجد مخرجًا منها. فالجائع لا يشفى من جوعه بمجرد أن يأكل، بل يحتاج أن يُعيد تربية نفسه على معنى الكفاية. المهم هنا هو أن نتعلم أن الفرص ليست وجبة أخيرة، بل سلسلة وجبات صغيرة. أن نؤمن بأن ما فات قد مات، وأن ما أمامنا لا يجب أن يُلتهم دفعة واحدة.
لكن، من يجرؤ أن يقول للجائع: “تمهّل”؟ من يجرؤ أن يقول لمن عاش نصف عمره في العتمة: “لا تُطفئ النور بعينيك دفعة واحدة”؟
يقول الله تعالى بصوتٍ يرنّ في قلب الجائع:
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦-٧]
هنا، في هذا النداء الإلهي، تكمن مأساة الإنسان بأبهى صورها: حين يخرج من نفق الحرمان الطويل، حين يظن أن الامتلاء يمنحه الاستغناء، ينسى كل ما علّمه الجوع من صبر، كل ما صاغه من خضوع ووعي. في لحظة الوفرة، قد يتطاول على نفسه، قد ينسى القيد الذي كان يقيه، ويقفز إلى هاوية الطغيان الداخلي، كمن يظن أن الظلام لم يكن إلا وهمًا، فيغرق مرة أخرى، لكن هذه المرة في ضوءٍ لا يرحم.
وقد جاء كلام رسول الله ﷺ ليؤكد هذا المعنى بدقة لا تقبل الجدل، ليعلّم أن الوفرة امتحان، لا انطلاق بلا ضوابط: «كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَلَا مَخِيلَةٍ». وفي رواية أخرى، التحذير أكثر وضوحًا: «لا تُسرف ولو كنت على نهر جارٍ». كم هي عظيمة حكمة هذا الكلام! كم هو دقيق في تصوير النفس البشرية! حتى لو كان الإنسان أمام نهر جارٍ من الرزق والنعيم، حتى لو أُتيحت له كل البذخ، يُعلّمه الله ورسوله أن لا يغرق قلبه، أن لا يدع الشبع يُفسد توازنه، أن لا يجعل الوفرة فخًا يبتلع روحه كما ابتلع الجوع صبره.
إنها الحقيقة المرة: القدرة على الصبر في الفقر سهلة مقارنة بالتحكم في النفس حين يفيض عليها الخير، والاعتدال في الوفرة أشد من صبر السنين في العتمة. وهنا تكمن حكمة القرآن والسنة، وهنا يظهر تأثير كلام الله ورسوله على من يفكر، على من يشعر، على من يعرف أنه بعد كل جوع، قد تأتي لحظة لا تُحتمل إلا بالوعي الكامل، وإلا سقط في هاوية طغيان الروح.
ختامًا … يبقى الإنسان معلّقًا بين جوعٍ يفتك وشبعٍ يُفسد. والحرمان الطويل يجعل التجربة الأولى مع الوفرة أشبه بامتحان أخير: إما أن ينجو بالاعتدال، أو يسقط في هاوية الطغيان. و ربما هذه هي لعنة الإنسان: أن يعيش دائمًا بين حرمان وتخمة. ولعلّ دوستوفيسكي كان محقًا حين جعل شخصياته دائمًا متخبطة، عاجزة عن الاعتدال. لأن الإنسان، حين يُفتح له الباب بعد سنوات من الحرمان، لا يعرف أن يمشي… بل إما أن يركض حتى يسقط، أو يقف مذهولًا حتى تبتلعه الظلمة من جديد.


إيش الجمال هذا ✨
اقدر أطبقه على كثيير من المواقف في حياتي
وزي ماقلتي يبدو ان الحل مو انك تأكل حد التخمه ..ممكن الحل انك تأكل الين ماتروح لهفه الاكل منك "ما أتكلم عن الاكل "
وفقتِ في الكتابه
قرأت صراعاتي الداخلية في هذه الكلمات، ورأيت فيها مخرج لم يظهر لي بمفردي في ظل عبء أفكاري