يقولون: “ما يخالف تكبر وتنسى”.
جملة عابرة، كأنها تعويذة ساذجة ضد الألم، أو محاولة لتطمين طفل يصرخ وقد تورمت عيناه من الدموع. لكن، هل حقًا نكبر وننسى؟ أم أننا نكبر فنحمل الطفولة معنا، مثل حجر ثقيل في أعماق الروح، يرافقنا حيثما ذهبنا؟ الإنسان لا يكبر بطريقة مستقيمة كما يتخيل البعض. نحن لا نترك وراءنا طفولتنا في بيت قديم ثم نغلق الباب ونظن أننا نرحل. لكن في الحقيقة، نحن نجرّها معنا، بكل ما فيها من صراخ، من خوف، من ليالٍ لم يُطفأ فيها النور. نكبر فنظن أننا تحررنا، لكننا لا نفعل سوى أن نرتدي أقنعة، نخفي بها وجوه الأطفال الذين كنّاهم.
الطفولة جرح الذاكرة
قرأت مرةً أن الإنسان “يحمل في داخله طفولته كما يحمل جسده ظله، لا تنفصل عنه حتى في العتمة”. قد يبهت الظل، لكنه لا يختفي. وهكذا الطفولة، ليست مجرد مرحلة زمنية، بل حجر الأساس في بناء الشخصية، في تشكيل الخوف والرغبة، وحتى في طريقة حبنا وكراهيتنا.
علم النفس الحديث يؤكد هذه الرؤية الأدبية. اللوزة الدماغية، المسؤولة عن تسجيل الانفعالات، تحفظ الصدمات الأولى كأنها نقوش على صخرة. لا يهم أن نكبر وننسى التفاصيل، فالمشاعر تبقى حيّة. لذلك، قد يرتجف رجل في الأربعين من صوت صراخ، لا لأنه يتذكر حادثة بعينها، بل لأن جسده يذكّره بما حدث في عمق زمني سحيق.
التحليل النفسي تحدّث عن الطفل الداخلي، وهو ليس استعارة شاعرية بقدر ما هو حقيقة نفسية. ذلك الطفل لا يموت، بل يعيش في قبو النفس، يُطل برأسه في أشد لحظات ضعفنا. حين نُرفض في علاقة، يصرخ الطفل المهمل: “لقد تركوني مرة أخرى”. وحين نُهان في العمل، يتململ الطفل المضروب: “لقد ضربوني ثانية”. نحن نظن أننا نغضب كراشدين، لكن الحقيقة أن الطفل في الداخل هو الذي يصرخ.
فالعلم يعيد صياغة الألم، و قد يظن البعض أن هذه مجرد مبالغات أدبية. لكن الأبحاث في علم الأعصاب تقدّم صورة أكثر قسوة: الصدمة تغيّر الدماغ نفسه. الحُصين يتأثر، التشابكات العصبية تُعاد برمجتها، والهرمونات تتخذ مسارًا مختلفًا. أي أن الطفولة ليست ذكرى فحسب، بل إعادة كتابة جسدية لأنفسنا.
خذ مثلًا دراسة “أطفال بوخارست”، أولئك الذين تُركوا في دور أيتام مهملة في رومانيا. حتى بعد أن انتشلهم الحب وتبنّتهم عائلات دافئة، بقيت آثار الحرمان محفورة في أجسادهم وأرواحهم: مستويات قلق مرتفعة، صعوبات في الثقة، جروح غير مرئية. ما حدث لهم لم يكن فصلًا وانتهى، بل كتابًا مفتوحًا لا يغلق.
وهم النسيان
النسيان، إذن، ليس حقيقة بل وهم. نحن لا ننسى، نحن فقط نغطي الجرح بطبقات من السنين. الزمن لا يمحو، بل يعلّمنا طرقًا جديدة للاختباء. وفي لحظة ما—ربما في مواجهة حادة، أو في خسارة، أو حتى في لحظة حب—ينفتح الجرح من جديد وكأنه لم يُمسّ منذ الطفولة.
لكن، ثمة بصيص ضوء: العلم والعلاج النفسي لا يعداننا بالنسيان، بل بشيء أصدق: التعايش. يمكن أن نتعلم كيف نحمل ندوبنا دون أن تنزف كل يوم. يمكن أن نعيد صياغة قصتنا بحيث لا نكون ضحاياها بل أبطالها. العلاج السلوكي المعرفي، أو جلسات الاستبطان العميق، ليست محاولات لمحو الذاكرة، بل لترويضها.
حسنًا، ماهو سؤال الإنسان الأبدي؟ وما الذي يبقى في الأعماق؟
دوستوفيسكي كان يفتّش دومًا عن معنى الألم: لماذا نحمله؟ لماذا لا يتركنا؟ ربما لأن الألم جزء من وعينا، من هويتنا. الطفل الذي بكى في الماضي هو نفسه الذي يجعلنا نكتب، نفكر، نحب بحذر، ونرتجف أمام فكرة الفقد. ربما لو نسينا فعلًا، لفقدنا إنسانيتنا.
الطفولة لا تختفي، بل تتحول إلى طيف يسكننا. نتصور أننا دفنّاها في الماضي، لكنها في الحقيقة تدفننا نحن في كل قرار وكل خوف وكل ارتجافة لا نعرف لها سببًا. إنسان اليوم ليس إلا استمرارًا لطفل الأمس، ولا وجود لفاصل زمني حقيقي بينهما.
النسيان؟ ربما هو كلمة نختلقها كي نحتمل. لكن الحقيقة أن ما جُرح فينا باكرًا يظل حيًا، يتنفس تحت طبقات العمر، يخرج في كوابيسنا، في نظراتنا الخائفة، في لحظات الصمت الطويلة التي لا يفسرها أحد.
نحن لا نكبر لننسى، بل نكبر لنحمل. والحمل لا يزول، لكنه يتغير: من جرح نازف إلى ندبة، من صرخة إلى همس، من خوفٍ إلى حكمة. وإذا كان الإنسان قادرًا على شيء، فهو أن يحوّل الطفولة المكسورة إلى ضوءٍ يعرّف به نفسه، وإلى مرآة يرى فيها هشاشته.
في النهاية، ربما لا نحتاج أن ننسى كي نعيش، بل أن نتذكر بصدق. أن نواجه ذلك الطفل الصغير في أعماقنا، لا كغريب يزعجنا، بل كجزء أصيل منّا. أن نمد يدنا إليه ونقول: “نعم، ما زلت هنا، وما زال وجعك وجعي. لكننا سنكمل الطريق معًا.”وهنا فقط، يصبح الألم دليلًا على أننا أحياء، لا لعنةً تجرنا إلى الخلف. فالإنسان لا يُشفى بالنسيان، بل بأن يملك الشجاعة ليحمل ذاكرته دون أن يخاف منها.


فعلًا نكبر لنعتاد على الحمل، لا لننسى
أن تتقبل بأن هذه قصتك وتتوقف عن الإنكار .