أنه يوم الجمعة، صنعتُ قهوتي كما أفعل كل يوم، بنفس الرتابة التي تشبه التعاويذ القديمة. سكبت الماء الساخن ببطء، راقبت البخار وهو يصعد من الفنجان، ثم جلست قبالة النافذة حيث ينعكس الضوء الرمادي على الزجاج الباهت. أختي كانت تتحدث عن أشياء عادية: عملها، الجامعة، وصديقتها التي قررت أخيرًا الانفصال عن صديقةٍ لم تكن تستحقها. كنت أومئ برأسي وأشاركها بابتسامة خافتة، بينما داخلي كان في مكان آخر تمامًا. كنا نتحدث عن القرارات، دون أن نقول الكلمة بصوتٍ واضح. كل ما في أحاديث البشر يدور حولها في النهاية: من نبقى معه، من نتركه، أين نذهب، ومن نصبح بعد ذلك. بعد أن خرجت أختي، وبقيت وحدي مع صوت الملعقة وهي تضرب حافة الفنجان، فكرت كم نحن مخلوقات مُتعبة من التفكير، وكيف يمكن لقرارٍ واحد أن يغيّر شكل أرواحنا. إننا لا نُجرَح بالقدر كما نُجرَح باختياراتنا، نؤمن أن العقل يعرف الطريق، فنمشي خلفه مطمئنين، ثم نكتشف في منتصف المسافة أننا فقدنا القلب في الطريق.
اتخذت في حياتي قرارات كثيرة بدت “صحيحة” في ظاهرها، لكنها تركت وراءها فراغًا لا يُملأ، قرار الانسحاب من علاقات بدت مؤذية، قرار الرفض حين كان القبول أسهل، قرار الرحيل حين كان البقاء ممكنًا. كلها صواب، عقلًا ومنطقًا، لكنها جميعًا سلبت شيئًا مني، شيئًا لا أعرف اسمه، لكنه يُؤلمني حتى الآن. ثمة نوع من الخيانة لا يرتكبه أحدٌ سوانا — أن نخون أنفسنا باسم الصواب، أن نُسكِت صوت القلب بحجة الحكمة، ثم نجلس بعد سنوات نحدّق في الفراغ ونسأل: هل كنتُ مجنونة حين ظننت أن الصواب يُشفي؟
قال أحدهم: الإنسان يحب العذاب لأنه هو الشيء الوحيد الذي يشعره بأنه حي. وأظنه كان على حق، نحن نختار الألم عندما نختار الصواب، لأن الصواب في هذا العالم نادرًا ما يكون مريحًا. كل قرار صائب يخلّف وراءه منطقة مظلمة، كأننا بعده لا نعود نحن أنفسنا، نشعر أننا تركنا شيئًا حيًا خلفنا يتنفس دوننا، نعيش بعدها بنصف وعي، ونصف ابتسامة، ونصف رغبة في العودة، لكننا لا نعود. نكتفي بترديد جملة باردة: لقد فعلت الصواب، ونخفي تحتها ارتعاشةً في الصوت لا يلاحظها أحد. وربما أصعب ما في القرارات أنها لا تنتهي عند لحظة اتخاذها، بل تبدأ منها، الفراغ الذي يأتي بعدها هو الامتحان الحقيقي، ذاك الصمت الذي يملأ الغرف ليلاً، تلك الذكريات التي تعود دون إذن، ذلك السؤال الذي يهمس داخلك كلما أغمضت عينيك:
هل كنت مضطرًا حقًا؟
هل كان يجب أن تكون عاقلًا إلى هذا الحد؟
أحيانًا أظن أن العقل نوع من قسوةٍ حكيمة بنظارات دائرية، تجعلنا نفعل ما يجب، لا ما نريد، تجعلنا نُنقذ أنفسنا من الخطر، لكن لا تُعيد لنا شيئًا مما فقدناه، العقل يأخذك إلى برّ الأمان، لكنه لا يبقيك دافئًا. في تلك اللحظات التي يبدو فيها كل شيء مستقرًا، لكن بلا نبض. إنني أفهم أن القرار الصحيح ليس خلاصًا، بل نوع من الفقد، أن تكون عاقلًا في هذا العالم يعني أن تمشي وأنت تحمل جثتك على كتفيك، مبتسمًا، لأنك نجوت.
أطفأت التلفاز، وضعت الفنجان الفارغ في المغسلة، وجلست. لم يكن هناك ما يُقال بعد، كل ما حولي كان ساكنًا، مرتبًا كما ينبغي، لكن في صدري فوضى لا تشبه أي نظام، إن الصواب — وإن أنقذنا من الخارج — يتركنا من الداخل باردين، متجمدين، نحمل فراغًا أنيقًا ووجهًا مطمئنًا، كأننا لم نخسر شيئًا… بينما في الحقيقة، خسرنا كل ما كان يجعلنا نبتسم دون سبب.
ولكن نعيش على أملٍ أنه بعد مرور السنوات، ستهدأ العاصفة التي ظننا أنها لن تهدأ أبدًا. ستنطفئ الأصوات التي كانت تملأ الرأس، وسينكمش الغضب، وستذوب الذكريات شيئًا فشيئًا حتى تصير كأنها مشاهد من حياة شخصٍ آخر، مشاهد من فلمٍ يخصك أنت وحدك.
لكن ما لا يختفي أبدًا هو ذلك الأثر الخفيف — كجرحٍ التأم لكن ما زال يوجع عند هطول المطر. في البداية، نظن أن الزمن سيُعيد لنا شيئًا مما فقدناه حين اخترنا الصواب، لكن الزمن لا يُعيد شيئًا، هو فقط يُهذّب الخسارة حتى نتقبّلها دون أن ننتبه. نصحو في يومٍ عادي، نرتّب أسرّتنا، نصنع القهوة، ونكتشف أننا لم نعد نغضب ولا نحزن بالطريقة نفسها… نحن فقط صرنا أكثر صمتًا، أكثر فهمًا، وأقل حياة. العاصفة ستهدأ، نعم، لكنها لن تُصلح ما كسرت. تتركنا أكثر هشاشة، حتى نرى الأشياء بوضوحٍ لم نطلبه، وضوحًا موجعًا، يجعلنا نبتسم من الخارج ونحن نعرف في الداخل كم خسرنا لنصل إلى هذا الهدوء. فالإنسان حين يهدأ، لا يعني أنه بخير… بل يعني أنه متعب. حقًا، هذا ما يحدث بعد كل قرارٍ صائب، يتحول الاضطراب إلى هدوء، لكن ذلك الهدوء ليس سلامًا بل استسلام، تتعلّم كيف تضحك بوعيٍ مؤلم، وكيف تمر بالأماكن التي كانت تفتح جراحك دون أن تشعر إلا بوخزٍ خفيف… ثم تمضي، كأنك لم تُكسر يومًا. فالذين اختاروا الصواب في حياتهم لا يبدون منتصرين كما في القصص، إنهم يمشون بخطواتٍ بطيئة، يبدون عاديين، متوازنين، لكن في صدورهم خريف لا ينتهي، وذكريات لم تَعُد تُؤلم… بل تُذكّرهم بأن الألم يومًا كان دليلًا على أنهم أحياء.
وبعد كل تلك السنوات، حين تجلس في صمتٍ مطبق وتسترجع ما مضى، ستدرك أنك كنت على حق، لكن الحق وحده لا يدفئ ليلك، ولا يعيد لك من فقدت. ستفهم أن القرارات الصحيحة تُبقيك واقفًا، نعم، لكنها تسرق منك شيئًا من إنسانيتك في المقابل. وأننا، في النهاية، لا ننجو حقًا… نحن فقط نتعايش مع الجرح، ونتعلم كيف نُكمل الحياة بوجهٍ هادئ، وقلبٍ لم يشفَ قط.
أخيرًا، نتعلّم أن الحياة ليست ساحة للاختيارات الصائبة فحسب، بل مدرسة بطيئة في التقبّل. نتعلم كيف نحمل ما تبقّى منا دون شكوى، كيف نضحك ونحن نعرف أن شيئًا فينا لم يعد كما كان، وكيف نحبّ ونحن نعلم أن الحب لا يُنقذ أحدًا. و بعد مرور كل العواصف، وكل القرارات التي ظنناها خلاصًا، نفهم أن النجاة ليست في القرار ذاته، بل في قدرتنا على احتماله بعد أن يحدث. إنها ليست بطولة، بل نوع من الطاعة الهادئة لقدرٍ لا يفسح مجالًا للندم. حينها يصل الإنسان إلى مرحلة لا يبحث فيها عن الصواب أو السعادة، بل عن توازنٍ صغير يكفيه ليكمل يومه دون أن ينهار. سلامٌ لا يُرى، لكنه يحميه من الانهيار الكامل. سلام يشبه جلوسه في زاوية مظلمة يحتسي قهوته ببطء، يستمع إلى صوته الداخلي وهو يهمس: لقد فعلت ما يجب… وهذا يكفي.
قد لا نكون سعداء،
لكننا أكثر صدقًا مع أنفسنا من أي وقتٍ مضى.
وهذا، في عالمٍ يزدحم بالكذب والإنكار،
أقرب ما يمكن أن نسميه: نجاة.


كم أحب أن ألتقي بالأشخاص العمقين لهذه الدرجة
لامسني جداً ووصف الحالة الشعوريه الي أمر فيها " نجاة "
قد لا نكون سعداء،
لكننا أكثر صدقًا مع أنفسنا من أي وقتٍ مضى.
وهذا، في عالمٍ يزدحم بالكذب والإنكار،
أقرب ما يمكن أن نسميه: نجاة.