روحي في الجانب الآخر من العالم
أحلامٌ ضبابيّة
كان يمكن أن أولد في الجانب الآخر من هذا العالم، في قرية جبلية ينهشها الضباب كل صباح، حيث البيوت الخشبية متفرقة كأشباح قديمة، متكئة على سفوح شاهقة، وأشجار الصنوبر تحيط بها كحرّاس حزينين، لا يبتسمون أبدًا ولا يسمحون لأحد بالابتسام. ربما كنت سأعيش في كوخ صغير له سقف مائل، تتساقط منه قطرات المطر في ليالي الخريف كما لو كانت دموع السماء. كوخ بمدخل ضيق، وباب يئن كلما فتحته، وبمطبخ بالكاد يكفي لصحنين وكأس شاي، وغرفة في العلية نوافذها مستطيلة تطل على الجبال الملبدة بالغيوم، الجبال التي لا تمنح دفئًا حقيقيًا، بل وهمًا زائفًا بالطمأنينة.
كنت سأستيقظ قبل الشمس بقليل، حين يظل الضباب يعانق الطرقات الترابية، والدقيقة تصبح أطول من أي شعور آخر. أرتدي تنورة طويلة بلون الزيتون، وسترة سميكة بلون الشوكولاتة الداكن، ثقلها على جسدي يشبه ثقل روحي، لا أرتديها لموضة، بل لأنها تشبهني، كأنها جزء مني أو غلاف لما أريد أن أكونه. نصف شعري الأسود الطويل أجدله بانسياب، تتساقط خصلات على وجهي، تحاكي حركاتي البطيئة، وتخبرني أن شيئًا بداخلي لم يتغير أبدًا.
أخرج إلى نصف الضوء الباهت للطريق، حيث تعكس الشوارع الرطبة ظل الحشرات الطائرة بلا هدف، وأمشي نحو المتجر الصغير الذي أعمل فيه. متجر للمخبوزات، برائحة الخميرة الممتزجة برطوبة الجدران، برائحة حياة لا تُرى إلا في التفاصيل الصغيرة. هناك، أعجن العجين بيدي المرتجفتين من البرد، أراقب كيف يتحول من مادة خام باردة إلى رغيف ذهبي ساخن، وكأنني أصنع حياة مؤقتة لزبائني، حياة محكومة بالطقوس، بلا حب، بلا هروب. وربما سيكون أكبر همي: أي نوع من المخبوزات سيختارون اليوم؟ الكعك بالتوت أم الخبز المحشو بالتمر؟ سؤال صغير، لكنه يبدو أكبر من كل العالم.
أثناء العجن، أسمع أحيانًا في نفسي صوتًا آخر، حديثًا صامتًا، كما لو أن المذياع البعيد يحمل صوت روح بعيدة، روح تحبني بصمت وأنا أحبها بلا لقاء. كلمات تتقطع، أصوات لا أعرف مصدرها، لكنها تشبه قلبي، تحاكي حزني، وتعيد لي إحساسًا بالغربة داخل جسدي. أتخيله يجلس في مكان آخر، ينظر للنافذة، يلمس كوبًا من الشاي أو رغيفًا، ويشعر بما أشعر به في لحظة واحدة، لكنه لا يعرف أنني أفكر به. بيننا جبال وغيوم وضباب، حب محتجب في الهواء، حب لا يحتاج لقاء ليكون مؤلمًا، حب يرافقنا في كل رغيف نخبزه، في كل قطرة مطر تلمس وجوهنا، في كل صمت نعيشه.
في النهار، قد يمر بعض الجيران. لا يلقون السلام أحيانًا، لكننا سنتبادل أحاديث عابرة، أحاديث تشبه الخبز اليابس، بلا طعم، لكنها تملأ الفراغ. امرأة مسنّة تسأل عن الطقس، كأنها لا تعرف أن المطر في هذه القرية لا يتوقف أبدًا. رجل يحمل جريدة مطوية، يتظاهر بالاهتمام بالأخبار، لكنني أعرف أنه لا يهتم سوى بوجع ركبتيه. أطفال يضحكون حين يسرقون قطعة من الخبز الساخن، ثم يركضون، كأن الحياة سخية معهم، لكنهم غائبون عن معنى الألم العميق.
حين يحل المساء، أرتب الأرفف المائلة، وأطفئ الأضواء واحدًا واحدًا. يبدأ المطر بالخارج، كأنه يترصد خطواتي، يضغط على جسدي وروحي، يذكّرني أنني أعيش حياة باردة. لا أحمل مظلة، لن أحملها أبدًا، بل سأترك المطر يغمر شعري وثيابي، أغني لنفسي أغنية قديمة بلا عنوان. بيدي سلة مغطاة بخرقة عليها نقوش ورد باهتة، فيها ما تبقى من خبز اليوم. أمشي ببطء في الأزقة الضيقة حتى أصل إلى كوخي المظلم، أقف قليلًا أمام الباب، أترك المطر يغسلني، كأنني أغسل كل ما تعلق بي من حزن وذكريات فاشلة، ثم أدخل.
أشعل النار في المدفأة الخشبية. أبدل ملابسي المبتلة ببجامتي القديمة، البنية، عليها طباعات باهتة، كأنها تحمل تاريخًا يخصني، كأنها قصة حياة لم أعشها. أضع إبريق الشاي فوق النار، وأنتظر حتى يغلي، أصبه في كوب سميك متشقق الحافة، أراقب البخار يتصاعد ببطء، كروح تحاول الهروب من جسد بارد، جسد ثقيل بالوحدة والحنين.
ليالٍ لا أفعل فيها شيئًا سوى القراءة. أقرأ كتبًا مهترئة وجدتها في مكتبة مهجورة عند أطراف القرية، كتبًا تحتضن الغُبار، فيها قصص أشخاص لم يولدوا هنا، ولم يموتوا هنا، لكنهم يشبهونني بطريقة ما. أقرأ حتى تتورم عيناي، وأغفو على الكرسي الخشبي بجانب النار.
وفي بعض الليالي، أفتح النافذة. أرى الجيران في بيوتهم. رجل وحيد يعزف على آلة وترية بطيئة كأنها نواحٌ مُتعب، امرأة تجلس قرب نافذتها تحيك شيئًا رُبما لن يكتمل أبدًا، أطفال يضحكون بصوتٍ عالٍ ثم ينامون فجأة. كل واحد في هذا المكان يحمل صمته كحجر ثقيل على ظهره، صمت يؤكد أن الوحدة هنا مصير لا مفر منه.
هكذا سيكون عالمي الآخر: حياة صغيرة، مكررة، بلا أحداث كبيرة، لكنها مشبعة بتفاصيل هادئة. حياة تجعلني أغني مع المطر، أضحك مع الغرباء للحظة، ثم أعود إلى صمتي الطويل. حياة باردة، لكنها الحياة التي لم أولد فيها.


" أثناء العجن، أسمع أحيانًا في نفسي صوتًا آخر، حديثًا صامتًا، كما لو أن المذياع البعيد يحمل صوت روح بعيدة، روح تحبني بصمت وأنا أحبها بلا لقاء. كلمات تتقطع، أصوات لا أعرف مصدرها، لكنها تشبه قلبي، تحاكي حزني، وتعيد لي إحساسًا بالغربة داخل جسدي. أتخيله يجلس في مكان آخر، ينظر للنافذة، يلمس كوبًا من الشاي أو رغيفًا، ويشعر بما أشعر به في لحظة واحدة، لكنه لا يعرف أنني أفكر به.
———-
يبدأ المطر بالخارج، كأنه يترصد خطواتي، يضغط على جسدي وروحي، يذكّرني أنني أعيش حياة باردة. لا أحمل مظلة، لن أحملها أبدًا، بل سأترك المطر يغمر شعري وثيابي، أغني لنفسي أغنية قديمة بلا عنوان. "
انا لو علي والله حددت النص كامل ونسخته هنا، معجبة بكل فقرة وكل حرف يأخذ حصّته من اعجابي، هدوء نصك، الموسيقى التي وضعتِها استمع لها منذ خمس سنوات، أيعقل الان انها زادت
حلاوه عندما أُضيفت لنصك؟
احسنتِ احسنتِ دائمًا🖤🖤🖤🖤
الكلمات لامست قلبي 🫶🏻🫶🏻