كان المساء يوشك أن يختنق.
الضوء الرمادي ينسكب عبر النوافذ كأن العالم كله فقد صوابه، والمطر لم ينزل بعد، لكنه كان قريبًا جدًا، تكفي رائحته لتذكّر الإنسان بأن كل شيء يمكن أن يبتلّ ويغرق في أي لحظة. في زاوية الشقة، على الحائط المتهالك، ساعة معلّقة تشير إلى الثانية تمامًا، كأنها تتعمّد أن تذكّره باللحظة التي علِق فيها منذ سنوات، اللحظة التي لا تقدم فيها خطوة، ولا تأخر، مجرد توقّفٌ أبدي على شقّ من الزمن. جلس على الأرض، جسده مثقل ببطء، سيجارة مطفأة بين أصابعه، وفنجان قهوة بارد أمامه. الرماد على الأرض بدا له كأنه شيء مألوف، ككائنٍ يعرفه منذ زمن طويل، يحمل أسراره وألمه، ويحفظ كل مرة فشل فيها الإنسان في أن يكون أكثر من ظلّ نفسه. كانت الرياح القوية تعبث بأوراق مذكراته، تقلب الصفحات كما لو كانت تستهزئ به، تفضح أفكاره، تهزّ ما تبقى من صمته. كل ورقة كانت مليئة بالكلمات الصغيرة التي كتبها في لحظات جنون هادئ، كلمات كان يعتقد أنها قد تشرح له نفسه، أو تخفف من وطأة الفراغ الذي يسكن بين صدره. هو جالس هناك، متسمّرًا بين الحقيقة والوهم، بين الضوء والظل، كأن كل شيء في هذا الغرفة — الورق، الرماد، الساعة، الهواء الثقيل — يصنع له محكمة صغيرة، تحاكمه على كل ثانية عاشها، وكل ثانية لم يعرف كيف يختار فيها نفسه.
لم يكتب شيئًا منذ زمنٍ طويل، حتى أن ذكريات ما كان يدوّنه بدأت تتلاشى في أفق عقله، كما لو أن الكلمات نفسها تخلّت عنه، تاركة وراءها فراغًا ثقيلًا. مدّ يده ببطء، التقط المذكرات بين أصابعه المرتجفة، وفجأة شعر بأن قلبه يمرّ في نفقٍ مظلم من ذاكرته السابقة. بدأ يقرأ، وكل جملة كانت كمرآةٍ تعكس عقله السابق، ذلك العقل الذي عاش في تناقضٍ دائم، بين من كان يريد أن يكونه ومن هو بالفعل، بين ما أراد قوله وما لم يجرؤ على نطقه.
وُلِدتُ بعد أخي بعامين، كأن القدر اختار لي دور المكرر، الظلّ، الشاهد على كل ما سبق. كانوا يحتفلون بأول مرة ينطق فيها، بأول خطوة، بأول نجاح، وحين جاء دوري، كانت الدهشة قد انتهت. كل ما فعلته كان قد فُعل من قبل، كل خطوةٍ في حياتي كانت صدى لخطوةٍ أكبر مني. أن تكون الثاني يعني أن تعيش حياةً مستعملة، أن تتنفس هواءً مرّ عبر رئتين أخريين. حتى في المدرسة، كنت أعيش على فتات أخي. يقولون لي: (أخوك كان يفعل كذا)، (أخوك أذكى منك)، (أخوك أكثر هدوءًا).
أحيانًا أفكر أن الله، حين خلق الرقم اثنين، أراد أن يضع في الكون فكرة الصراع الأبدي: الخير والشر، النور والظلام، الحياة والموت. لكن الإنسان لم يتحمّلها، فأصبحت لعنةً عليه. نحن لا نُريد الاختيار، بل نُريد أن نحيا في المنتصف، في المنطقة الرمادية التي لا تُحاسب ولا تُنقذ.
وفي صفحةٍ أخرى قد رسم فيها رسمًا دقيقًا: امرأة ورجل يبدو عليهما الحب، أيديهما متشابكة، وابتسامتها خافتة كابتسامةٍ ترى العالم كله من خلالها. لكن الرجل لم يكن كاملًا، لقد رسمه بظلّين، كأنهما يسحبان روحه بعيدًا عن الضوء، بعيدًا عن حقيقة اللقاء، بعيدًا عن اللحظة نفسها التي يبدو فيها الحب حقيقيًا. وكتب تحت الرسم:
حتى حُبي الأول كان لها ظلّ يسبقني. كانت قد أحبّت شخصًا قبلي، ولم أكن سوى صدى، نسخة باهتة لما فقدته، محاولة فاشلة لإعادة رسم ما لم يُقدّر لي أن أملكه. لقد أحببتها حقًا، لكنني أدركت منذ البداية أن قلبي كان يركض خلف فراغ، وأن الفرح الذي تمنيت أن أعيشه لم يكن من نصيبي، بل من نصيب رجل آخر، رجلٍ ربما لم يعرف يومًا أن العالم قد أعطاه شيئًا لم أستطع أنا الحصول عليه.
أظنني لا أريد الموت، كل ما أريده هو أن أتوقف عن التكرار.
فتح صفحة جديدة، الصفحة الأخيرة التي لم يكتب فيها من قبل. كانت نظيفة حدّ القسوة، بيضاء كوجهٍ لم يلمسه الزمن بعد. ظلّ يحدّق فيها طويلًا، كأنه يتهيأ لاعترافٍ أخير، كأنه يريد أن يمنح نفسه فرصة لأن يفهم، لا أن يُغفر له. ثم كتب بخطٍ بطيء، متردّد، متكسّر الحروف كما لو أنه يكتب بأطراف أنفاسه:
ربما لم تكن اللعنة في أن أكون الثاني، بل في أنني لم أجرؤ يومًا أن أكون الأول. كنت دومًا أنتظر أن أرى الطريق مرسومًا قبل أن أخطو، كأنني أحتاج من يجرّب الحياة قبلي لأتأكد أنها لا تؤلم كثيرًا. لكن الحياة لا تقبل المتأخرين. إنها تدهس من يأتون بعد، وتمنح المجد لأول من يخطئ لا لآخر من يتقن.
توقف قليلًا، ثم أكمل:
الساعة الآن الثانية صباحًا، الغريب أنها نفس الثانية التي تمرّ كل يوم، كأن الزمن نفسه يرفض أن يتحرك معي.
الثانية هذه لم تكن وقتًا بل حفرة. الثانية ليست منتصف الليل، وليست الصبح، إنها فجوة صغيرة بين عالمين، مكانٌ لا يراه أحد، تسكنه أرواح المكرّرين، الذين لم يُختاروا، الذين وُلدوا بعد فوات الدهشة.
نظر إلى النافذة، المطر أخيرًا بدأ، خفيفًا في البداية، ثم أثقل شيئًا فشيئًا، حتى صار كأنه يحاول محو كل ما كتب. كانت الرياح تعصف، والأوراق تتطاير، والمطر يدخل من النافذة، لكنه لم يتحرك. ترك المذكرات مفتوحة على الصفحة الأخيرة، والحبر لم يجف بعد.
الرقم اثنان ليس إلا وجهًا آخر للوحدة.
أن تكون الثاني، يعني أن تعيش في ظلّ أحدهم إلى الأبد — حتى لو لم يعد موجودًا. كنت أحلم أن أكون شيئًا لا يُقارن، لكن حتى حلمي كان نسخة من حلمٍ سابق. والآن كل شيءٍ في حياتي مكرّرًا: ضحكتي، حزني، وحتى موتي القادم، سيبدو مألوفًا لدرجة أنك لن تبكيه.
ثم وضع القلم على الطاولة، تركه يسقط دون مقاومة. كانت الساعة لا تزال تشير إلى الثانية، كما لو أنها ترفض أن تعبر، وكأنها تنتظر شيئًا لتكتمل الدائرة. وفي الصباح، حين دخلوا الغرفة، وجدوا المذكرات مفتوحة، الحبر قد امتزج بقطرات المطر، والصفحة الأخيرة لم تكتمل.
في أسفلها، بخطٍ خافت بالكاد يُقرأ، كتب آخر جملة له:
كل ما فيّ كان اثنين، حتى قلبي… نصفه عاش، ونصفه ينتظر أن يتوقف.


''وتمنح المجد لأول من يخطئ لا لآخر من يتقن'' .. المجد متاح لمن استثنى نفسه من عادية الحياة .. نص جميل واثار حفيظتي شكراً
احببت التناقض في الكلام و طريقه التى صغت فيها الجمل ؛ جميل🩵