أنت ذاكرتي
من مذكرات ليلية من أعالي الجبال
الليل هنا يختلف عن أي مكان آخر. البرد في أعالي الجبال قارس، يعضّ وجهي ويخترق ثيابي، يجعل الهواء كأنه زجاجة جليد تمشي في صدري. المكان صامت، إلا من صوت الرياح التي تتشابك مع أغصان الأشجار خارج النافذة، تتصارع وكأنها تحاول كسر صمت الليل الطويل.
على الطاولة أمامي كوب قهوة، صار بارداً قبل أن أستطيع شربه. أضعه على النار مرة أخرى، أتركه يغلي، ثم أرفع الكوب، وأدرك أنه فقد حرارته مجددًا قبل أن أتذوقه. هذه اللعبة المتكررة أصبحت جزءًا من الليل، جزءًا من روتيني البائس، كما لو أن كل شيء يتباطأ أمامي لأبقى عالقةً بين الدفء والبرد، بين الرغبة والحرمان. أصابع يدي تتشابك مع لوحة المفاتيح، تدقّ بخفة لكن بعزم، أحاول أن أسجل كل ما يمر بي من شعور، كل نغمة، كل لحظة. كل حرف يبدو كصدى صغير لدقات قلبي، كل كلمة كتبتها كأنها محاولة للحفاظ على شيء قد يختفي.
في الخارج، كلب يعوي في البعيد، صوته ممتد ومثقل بالهواء البارد، يذكرني بالوحدة. قطة تئن تحت نافذتي، تبحث عن مأوى أو دفء، وكأنها تتشارك معي شعور هذا الليل الطويل. الريح تدفع الأغصان لتتصادم مع بعضها، صوت خشبي حاد يضرب صمت المكان، يذكّرني بأن الحياة مستمرة، حتى هنا، في عزلة الجبال.
فتحت الفيديو مرة أخرى. صوت محمود درويش، خشن ومكتنز بالحزن، يردد أبياته:
“ربما لن نلتقي،
ربما لم أودعك،
لكنني لن أنساك…
انت ذاكرتي”…
تبدو هذه الأبيات وكأنها تتحدث عني، عنك، عن كل غياب نعيشه بصمت. تذكرني بشخصٍ ما, ببلدٍ بعيد، وبحلمٍ مستحيل. يتردد الصدى في رأسي، في الغرفة، في كل زاوية، يضيف ثقلاً جديداً على الصمت، يجعل الليل أطول، يجعل البرد أكثر قسوة، ويجعلني أدرك أن الذكريات أثقل من أي بطانية يمكن أن تدفئني.
أحيانًا، و حين يسكن الليل أعلى الجبال ويثقل الهواء بالبرودة، أشعر أن هذه الأبيات كانت مكتوبة خصيصًا لأمسيتي. “ربما لن نلتقي، ربما لم أودعك، لكنني لن أنساك”… الكلمات تتسرب إلى داخلي بهدوء، كنسيم خفيف، تحمل معها شعورًا بالحنان الغائب عن العالم كله، وكأنها تعانق قلبي قبل أن أستطيع أن أحتضن أي شيء آخر. كل “ربما” فيها تهمس برقة عن الفرص الضائعة، وكل “لن أنساك” تلمس روحًا تعرف كيف تحب حتى في الغياب.
“انت ذاكرتي”… هذه كحضن ندفئ به أنفسنا حين يكون العالم باردًا، حين تكون الذكريات هي كل ما يربطنا بمن نحب. هناك في الحنين شيء لطيف، شيء يخفف من وحدة الليل، شيء يجعل القلب يحتفظ بالدفء حتى حين يغادر الأشخاص الحياة، لأن الذاكرة تستطيع أن تمنحنا لمسة من الأمان والرفقة، رغم كل الفراغ من حولنا.
وما يزال الليل يكرر نفسه بنفس الرتابة:
أكتب، أشرب قهوتي الباردة، أعيد تسخينها، أصغي إلى الريح، الكلب، القطة، الأغصان… وأعيد تشغيل الفيديو مرة بعد مرة. كل شيء هنا، كل صوت، كل برد، كل ارتعاش أصابع يدي، هو جزء من الليل، جزء من شعوري بأنك، بطريقة ما، ما زلت هنا… موجود في ذاكرتي.
مذكرات مشابهه:


ما كتبتِه يجعلني أتوقف عند شيء دقيق: البرودة هنا ليست مجرد طقس، بل هي حالة وجودية. القهوة التي تبرد قبل أن تُشرَب، الدفء الذي يتسرب من بين الأصابع، كأن الزمن نفسه يسرق منك اللحظة قبل أن تعيشيها. هذا التكرار — التسخين، البرودة، التسخين مجددًا — يحمل شيئًا من عبث سيزيف، لكن بنعومة أكثر قسوة.
ما يلفتني أيضًا هو أن الأصوات في النص (الكلب، القطة، الريح، الأغصان) لا تملأ الصمت، بل تجعله أكثر كثافة. كأن كل صوت يأتي ليؤكد الوحدة، لا ليكسرها. وهنا تكمن المفارقة: الحياة مستمرة حولك، لكنك منفصلة عنها، تراقبينها من وراء زجاج شفاف.
لكن ربما هناك طبقة أخرى تحت هذا كله: ماذا لو كان تكرار الفيديو نفسه — صوت درويش، الأبيات ذاتها — ليس محاولة لاستعادة شيء، بل طريقة لتثبيت الغياب؟ كأنك تختارين أن تبقي الذكرى في حالة "ربما"، معلقة، غير منجزة، لأن إتمامها — الوداع الحقيقي، النسيان النهائي — سيكون أقسى من البرد نفسه.
السؤال الذي يبقى معلقاً:
هل نلجأ إلى الذاكرة لأنها تمنح الدفء… أم لأنها تمنحنا مبررًا ألا نتحرّك؟
- شكرًا لكِ -
اراكِ بين الاحرف، التقط همسك بين الكلمات، اجتاحتني حرارة النَفَس، يزداد نبض الاسطر وكأنها تحاول البوحَ لا بالأسرار التي تخفيها بل
بالمألوف الذي يراه الجميع ولا يبصره احد
♡🫧راق لي ماكتبتِي؛ ابدعتِي