الليل ينسحب ببطء، كشيخٍ تعب من طول الحكاية، بينما وقف القمر في منتصف السماء كأنه آخر الشهود على زمنٍ مضى. هادئًا، ثابتًا، يحمل ذلك الضوء الذي لا يضيء طريقًا بقدر ما يشعل شعورًا. ضوءٌ يعرف أنه وشيك الانطفاء، لكنه مع ذلك، يزداد نقاءً كلما اقترب رحيله، كروحٍ تستعيد صفاءها قبل الوداع. وداع القمر لم يكن مشهدًا سماويًا وحسب؛ كان شيئًا يشبه وداع الإنسان لنفسه القديمة. وجهه الأصفر في منتصف العتمة بدا كأنه يراجع أخطاء الليل، يعترف بها، ثم يتركها تتساقط بلا مقاومة. من حوله، كانت السماء تفقد سوادها تدريجيًا، تتخلص منه كما تتخلص النفس من قلقٍ مزمن لم يعد صالحًا للبقاء. ومن الجهة الأخرى لهذا المشهد، كان الأفق يتحول إلى جرح مضيء… خطوط من الأحمر والبرتقالي تخرج من بين الغيوم، كولادةٍ ناعمة، كانشقاق حقيقي لشيءٍ يريد أن يحيا مهما كان الثمن.
أما القمر، في لحظته الأخيرة، لم ينظر إلى الشمس التي تقترب، بل إلى الأرض التي تركها ليلًا طويلًا خلف ظهره.
وكأنه يقول لها ولنا معًا:
«إن الوداع ليس نهايةً، بل ضرورة؛
ضرورة ليبدأ شيء آخر لا يعرف اسمه بعد»
ثم انطفأ ببطء…
لا سقوطًا، بل تحوّلًا،
كما لو أن جماله لم يكن في حضوره،
بل في طريقته الهادئة في الرحيل.
وهكذا، حين خرج الضوء أخيرًا من بين طبقات الظلمة،
لم تكن الشمس انتصارًا على القمر،
ولا القمر مهزومًا أمام الشمس،
بل كانا كلاهما جزءًا من حقيقة واحدة:
أن كل ضوء يبدأ بوداع،
وكل وداعٍ—
يحمل بداخله نورًا جديدًا،
حتى لو لم نره بعد.



ما شاء الله ابداع حقا
بسم الله ما شاء الله ،فعلا مقاله من احسن و ابلغ المقالات اللي قريتها هنا ، بجد ايه الجمال دا ❤️❤️