لم يكن استيقاظي اليومَ مُجردَ يقظةٍ من نوم، بل كان انبعاثاً لروحٍ أتعبها الركود. فتحتُ عينيَّ على الوَسْميّ وهو ينقرُ ببراعةٍ فطرية على زجاج نافذتي، مِعزوفةٌ سماويةٌ توقظُ الهِمم الساكنة. استقبلتُ الصباحَ بفتحِ مِصراعي النافذة، فغمرني النَّسيمُ البليل يحملُ شذى الخُزامى - رائحةُ الأرضِ العطرةِ عقبَ المطر - كان المشهدُ لوحةً سريالية؛ سُحبٌ رُكاميةٌ تَثِجُّ بالماء، تتخللها فجأةً خيوطٌ أشعة الشمس، وكأنَّ السماءَ تبتسمُ من تحتِ دموعها. تراءى لي طائرٌ غِرّيد وهو ينفضُ عن ريشه البلل، مُرسلاً زقزقاتٍ رخيمة تنسابُ في الفضاء كأنها التراتيل.
في تلك اللحظات، كان المطرُ قد استحالَ إلى رَذاذٍ هادئ، يتركُ وراءه الجُمان معلقاً على أطرافِ الأغصان. انزوَيتُ في ركني، حيثُ السكينةُ تفرضُ سُلطانها. أعددتُ قهوتي، فكان شذاها الذكيّ يتصاعدُ ليعانقَ برودةَ الجوّ، ممتزجاً بخيوطِ الشمس التي استطالت فوق مِقعدي. بين يديَّ كتابٌ، ورقُه يفوحُ برائحةِ المعرفةِ والزمن، أبحرتُ في لُجّةِ كلماته، أقتفي أثر المعاني العميقة والخواطر التي تلمسُ مكامنَ الوجع لتربُتَ عليها. لم يكن ثمةَ صوتٌ سوى هَسيسِ الورق وحفيفِ الأشجار التي تتمايلُ مَخْمورةً بقطراتِ الندى، في خلوةٍ قدسية لا يقطعها لغوٌ ولا صخب.
ومع مَيلِ الشمس نحو الغَسق، بدأتِ الطبيعةُ تستعدُّ لوداعِ هذا اليوم الاستثنائي. اصطبغتِ السماءُ بلونِ العقيق الممزوجِ بالورديّ، وكأنَّ الشمسَ تذوبُ ببطء في بحرٍ من الغمام. كان المطرُ قد كفَّ عن الهطول، لكنَّ أثرهُ ظلَّ عالقاً في الهواء كأنه طُهرٌ مستعاد. وقفتُ هناك، أرنو إلى الأفقِ البعيد، مستشعرةً كيف أنَّ الروحَ قد تشافت، تعافت واستقوت بعد ذبول، وكيف أنَّ النفسَ قد غسلت أوضارها في مَعينِ هذا الهدوء.
وفي المساء كانت السماء سَكينةُ الختام، رحلتِ الشمسُ مُخلفةً وراءها برودةً قَرّة تملأُ المكان بالوقار. أغلقتُ نافذتي على صدى يومٍ لم يكن كغيره؛ يومٌ أدركتُ فيه أنَّ ربيعَ العمرِ ليس فصلاً زمنياً، بل هو حالةٌ ذهنيةٌ نبلغها حين نتصالحُ مع ذواتنا وسط أحضانِ الطبيعة. لقد استعادت الحياةُ ربيعها في صدري، ونمت أزهارُ الطمأنينة في عروقي، بانتظارِ فجرٍ جديدٍ يحملُ بين طياته وعداً بجمالٍ آخر.



هذا ليس مجرد وصفٍ ليومٍ ممطر، بل قطعةُ سكينةٍ كُتبت بحبرِ الشعور.
قرأتُ الكلمات وكأنني أسمع هسيس المطر فعلًا، وأشمّ رائحة الأرض بعد الهطل، وأرى الروح وهي تتعافى بهدوء بين دفءِ القهوة ونور الغسق.
نصّ يحمل جمالًا لغويًا نادرًا، ويذكّرنا أن الطمأنينة لا تأتي من ضجيج الحياة، بل من تلك اللحظات الصغيرة التي تُرمّم الداخل بصمت.
إبدااع 🤍