اليوم أشرقت الغرفة قبل أن يفتح أحدهم الستائر. انعكاس الضوء على سطح الماء جعلني أظنّ أن السماء تسكن هنا، لا هناك في السماء. أراقب الغرفة من خلال حواف الزجاج كما لو أني أتجسّس على حياةٍ لا تخصّني. الأم تمرّ كل صباح، متعبة العينين، تضع الكوب الأبيض على الطاولة نفسها، في الموضع نفسه. لم أرَ يومًا أحدًا يشرب ما تتركه، لكنها تعود كل مرة بكوب جديد، كأنها تحاول تعويض شيء لم يُكمل طريقه إلى فمها.
الأب دخل الغرفة بعد قليل. لم يقل شيئًا. صوته كان منخفضًا كمن يعتذر دون أن يعرف كيف. تحدثتْ هي -الأم- بصوتٍ باهت، ثم سكتا معًا، وتركا الباب نصف مفتوح. كنت أتابع وجهي المنعكس في الزجاج بينهما، بدا لي أني أوضح من كليهما. ربما لأن الماء لا يعرف التمثيل.
الطفل جاء متأخرًا اليوم. جلس أمام التلفاز، وأخذ يُقلّب القنوات كما لو أنه يبحث عن شيءٍ ضاع منه في الأمس. كنت أراه بين ومضات الضوء؛ وجهه الطفولي يعكس كل ما في الخارج، ضجيج، ضوء، سرعة. ثم التفت نحوي. ابتسم. اقترب بخطواتٍ حذرة كأنه مقبل على سرٍ صغير. مدّ يده في جيبه ونثر فتاتًا من شيءٍ بنّي اللون. غاصت القطع في الماء، تلاشت ببطء، وتحول المكان إلى عتمةٍ لطيفة تشبه الغيوم حين تغرق في البحر. أكلت منها، ابتسم الطفل والصق أنفه على الزجاج ثم غادر.
حين غادر، بقيت أراقب باب الغرفة المغلق، وسمعت من بعيد جدالًا خافتًا بين الأم والأب. لا أعرف عن ماذا يتحدثان، لكني سمعت كلمة “حياة” تتكرر كثيرًا، وكأنها الشيء الوحيد الذي لم يتفقا عليه بعد. وفي لحظة هدوء، تسللت إليَّ فكرة غريبة:
كيف تكون الحياة خارج الحوض الحقيقي؟
أقصد البحر الذي أتت منه جدتي، أو هكذا قالت لي الذكريات البعيدة. هناك، كنت سأجد من يشبهني، لا سبع سمكات مختلفة، لكل واحدة حركة ولون ونفس لا يشبه الآخر. أحيانًا أشعر أننا لا ننتمي لبعضنا، نحن فقط جُمِعْنا هنا لأن أحدًا ظنّ أن الألوان المتعددة ستبدو “جميلة” خلف الزجاج. لكن الجمال وحده لا يصنع وطنًا.
أتساءل كثيرًا:
هل في البحر شيء ينتظرني؟
هل هناك سمكة تشبه نبض قلبي، تسبح بالطريقة نفسها، وتفهم لغتي حين أصمت؟
كيف تكون الحرية حين لا يمكن لعينك أن ترى نهايتها؟
هل يخيف الاتساع كما يخيف الضيق؟
أم أن الضيق يحتضننا بينما الاتساع يبتلعنا ببطء؟
ثم يخطر لي سؤالٌ آخر، أكثر جرأة:
أليس البشر أيضًا يعيشون في أحواض؟
لا أعني هذه الغرفة التي يرونني فيها، بل أحواضًا من نوعٍ آخر: أحواض مبنية من الالتزامات، من الأعمال، من العلاقات التي تتشقق ببطء. أحواض من الخوف، من الوجود المعلّق، من أعين الآخرين. أليست حياتهم أيضًا محصورة بين أربعة جدران من مسؤوليات غير مرئية؟ يظنون أنهم أحرار لأنهم يمشون، لكن ربما كل خطوة محسوبة مثل حركة ذيل السمكة داخل الماء.
أرى الأم، مقيدة بقلق لا أعرف مصدره.الأب محاصر بصمتٍ لا يستطيع كسره. الطفل وحده… يبدو غير مدرك لجدرانه بعد. ربما هو الوحيد الذي ما زال طليقًا، رغم أنه الأكثر صِغَرًا بينهم. أما أنا، فأعيش في مربعٍ من زجاج أرى فيه كل شيء، ولا أملك سوى أن أتنفس. ومع ذلك، حين أخاف من العتمة، أقف أمام الزجاج وأتساءل:
هل الحرية هناك…
أم هنا؟
هل الحوض يقيدني؟
أم يحميني من عالم أكبر مما تحتمله روحي الصغيرة؟ لا أعرف.
لكنّي أعرف شيئًا واحدًا:
كلنا — سمكًا وبشرًا — نعيش في شيء ضيق، نسميه “مكاننا”، ونخاف أن نتجاوزه.


ماشاء الله ابداع وعمق🤍
♥️♥️♥️😭ماشاء الله تحفه