اليوم صحوت… لا أعرف هل كان الصوت أولًا أم الضوء، كل ما أعلمه أنني استيقظت على حركة الستارة التي بدت وكأنها في سباق مع الريح خارج النافذة. كانت ترتفع بجنون ثم تعود لتصفع الجدار بخفة، كأنها تحاول إيقاظ الجميع بالقوة. فتحت عيني على مشهدٍ لا يقلّ جنونًا: زاوية الغرفة اليمنى تختنق بكميةٍ مهولة من الملابس—مكومات فوق بعضها، بعضها نظيف وبعضها يشكّل قضية بحد ذاته.
ألوانها تتداخل: قطعة صفراء فوق بنطال أسود، جوارب زهرية متناثرة بلا شريك، وبلوزة لامعة لا أعرف لمن تعود لكنها موجودة دائمًا كأنها تراقب الفوضى وتباركها.
وفي الخلفية، صوت تقطير من صنبور الماء في الحمام… تقط… تقط… تقط، إيقاع ثابت مزعج لا ينسجم مع الحياة إلا حين يكون الإنسان على وشك الجنون. مددت يدي أتلمس هاتفي، وكنت في لحظة الصمت تلك في عالم آخر، عالم صغير جدًا لكنه عالمي: قهوتي، قمت بتسخينها وأنا أشاهد انعكاس الفوضى على سطح الكوب، كأن القهوة تتأمل معنا هذا المصير.
وبينما أرتشف أول جرعة، بدأ اليوم الفعلي… بالصراخ.
“مِين تستحم أول؟”
“أنا متأخرة!”
“لا والله أنا أمس ما أخذت دوري!”
وما بين “ما عندي وقت” و “دوري اليوم”، تتحوّل مسألة الاستحمام إلى محكمة دستورية عليا.
نحن ثلاث أخوات. هذا ما تقوله الهوية العائلية، لكن الغرفة تقول شيئًا آخر: نحن ثلاث نسخ من العاصفة. ثلاثة أمزجة، ثلاثة أذواق، وثلاث طرق في رمي الأشياء على السرير عند الغضب. ما بين طفولتنا وبين الآن هوة كبيرة. زمان، كانت الغرفة ملعبًا سحريًا. كانت الأرض سجادة للحكايات، والأسِرّة قلاعًا نعتليها ونحن نضحك. لم نكن نهتم بالألوان، ولا بالمكياج، ولا بمن سرق جوارب من. كان كل شيء بسيطًا، حتى أننا كنا نتشارك بطانية واحدة أحيانًا ونعتبرها “مغامرة”.
الآن…
الأذواق صارت كأنها خطوط حدود سياسية. واحدة تحب اللون الهادئ، فتنشر الرمادي والبني بأناقة. الثانية تفضّل الألوان الفاقعة فتعلق شنطة فوشي بجانب لوحة بنفسجية لا تنتمي لأي مدرسة فنية. أما الثالثة—وأنا في الغالب—أعيش منزاحة بين كل ذلك، أحاول أن أجد زاوية محايدة لا تشتبك فيها ذائقتي مع ذائقتيهما.
والمشاكل؟
ليست مجرد مشاكل… إنها مسلسل طويل:
من التي تركت درج التسريحة مفتوحًا حتى اصطدمت به ركبة إحدانا؟
من سرق المناشف النظيفة؟
لماذا يوجد كوب شاي فارغ تحت السرير؟
من استخدمت فرشاة الأسنان التي نحتفظ بها “للطوارئ”؟
ثم الجريمة الكبرى: اختفاء الشاحن.
هذه القضية بالذات لو تُعرض على محكمة، سيُغلق الملف “لعدم وجود متهم يعترف”.
وتستمر الفوضى في التحليق حولنا:
ملابس على الأرض، ستارة تضرب الجدار كل دقيقة، رفوف كتب تميل على بعضها، صندوق مكياج نصفه مكسور ونصفه مفقود، ومرآة صغيرة ترفض الوقوف مستقيمة وكأنها متضامنة معنا في انهيار النظام.
لكن وسط هذا الازدحام الصوتي والبصري، تحدث لقطات لا تُنسى… خصوصًا اللحظات الحزينة.
حين تبكي إحدانا، يسقط كل صخب العالم فجأة. يتوقف الجدال، وتتجمد الستارة في الهواء للحظة كأنها تحترم الموقف، ويختفي صوت التقطير، أو ربما لا نعود نسمعه. يصبح الحزن كعدوى، نلتقطه فورًا. لا نتكلم، لكننا نقترب بصمت؛ واحدة تضع يدًا على الكتف، الثانية تجلس بجانبها، وأنا غالبًا أحاول إلقاء تعليق سخيف فقط لكسر الثقل.
تلك اللحظات تجعل الغرفة الصغيرة واسعة بشكل غريب… واسعة بما يكفي لثلاثة قلوب.
ومثلما نغرق حزنًا، نغرق ضحكًا. تأتي ليالٍ ننسى فيها كل مشاكلنا، نطفي الأنوار ونولّع اللمبة الصغيرة بجانب السرير، ونجلس نحكي قصصًا قديمة، نضحك حتى يتألم فكّنا. نتذكر طفولتنا، زيارات المدرسة، أسرارنا الصغيرة التي لم نخبر بها أحدًا غير بعض.
تصبح الغرفة وقتها مكانًا مختلفًا… كأنها غرفة صديقة قديمة تجمعنا بعد غياب طويل.
الحقيقة أن المشاركة ليست سهلة.
الغرفة المشتركة ليست خشبًا وحديدًا، بل مسرح يتحرك فيه كل شيء: الأصوات، الروائح، الذكريات، الغضب، الضحك، الدموع، والصلح غير المعلن الذي يحدث دائمًا بلا كلمات. إنها درس طويل في الصبر، وفي الحب، وفي فنّ أن تعيش وسط من يشبهك ويخالفك في الوقت نفسه.
ثلاثة ضرب واحد يساوي ثلاثون من المشاكل، نعم…
لكن الثلاثة أنفسهم يساوون حياة كاملة: ضجيجًا، حنانًا، وتناقضات تجعل البيت حيًّا، دافئًا، وغاضبًا أحيانًا.
ورغم أني أتذمر كل صباح…
أعرف أنني سأفتقد هذه الفوضى يومًا ما، وستفتقد الغرفة صخبنا، وستظل الستارة ترفرف بلا سبب، كما لو أنها تبحث عن أحد يعيد صراخه المعتاد


الغرفة المشتركة ليست خشبًا وحديدًا، بل مسرح يتحرك فيه كل شيء!!!
عجبتني الجملة مرة!! كنت دائمًا اتضايق من اننا نتشارك نفس الغرفة بس أعرف أني في يوم من الأيام بشتاق لهواشنا ومناقشاتنا في منتصف الليل لأنها كانت دائمًا أشياء غير جدية ، أحب اختي مره وفي بعض الأحيان مااحس اني مستعده اكون بغرفة لحالي بعيد عن ازعاجها الي يحسسني بالامان وقت الضيقه الصوت الي اذا سمعته أعرف اني بضحك واتكلم عن كل شيء تافه بالحياة..
جميل جدا
حبيت شعور الهدوء الي جاني وانا اقرا
الله يحفظكم لبعض🤍