كانت ليلة باردة على نحوٍ غير مبرّر. جلست أمام الورقة البيضاء، راسمةً نصف دائرة ثم توقفت. يداي ترتجفان قليلًا، ليس من البرد، بل من ذلك الإحساس المألوف بالفشل الذي يتسلل قبل أن أبدأ. حاولت رسم وجهٍ رأيته في الحلم، لكن الخطوط هربت من المعنى. تجمّعت المسودّات حولي مثل مقابر صغيرة لأفكارٍ ماتت في لحظتها. الفنجان على الطاولة برد هو الآخر، والضوء الخافت من المصباح يلمس الورقة كأنه يعتذر على رؤيتها عارية من الألوان.
كم مرّة بدأتُ هكذا؟
كم مرة حاولت أن أخلق منّي شيئًا؟
لماذا أبدأ كل شيء بشغفٍ كبير ثم ينطفئ؟
هل لأنني لا أملك الموهبة، أم لأنني لا أملك الإيمان بها؟
هل يكفي أن تجيد شيئًا لتصبحه؟ أم أن الإجادة دون انتماء لا تعني شيئًا؟
ولماذا أشعر دائمًا أنني أقف خارج نفسي، أراقبها وهي تحاول وتفشل ببطء؟
أجيد الطبخ، لكني لستُ طباخًا.
أجيد الكتابة، لكني لستُ كاتبة.
أرسم، لكني لا أملك روح الرسامين.
أتحدث، لكن لساني يتلعثم حين يحاول قلبي أن يخرج من فمي.
هادئة، لكن الضجيج في داخلي يصمّ الآذان.
كم مرة شعرتُ أني أقف على عتبة كل شيء دون أن أدخله؟ كأنني أعيش في الممرّ بين الغرف، أسمع ضحكات من يملكون الحرفة والقدرة والانتماء، بينما أنا أراقبهم من وراء الزجاج، أتحسس أصابعي المرتبكة، وأقول لنفسي: «أنا أيضًا أعرف كيف أفعل ذلك» — لكني لا أفعله كما يفعلون. أظن أني خُلقت لأتذوق كل شيء دون أن أمتلكه. كأنني ظلّ للمواهب، لا صاحبها. أعرف القليل من كل بحر، لكني أغرق في العجز حين أقترب من الشاطئ. إنها حياة أولئك الذين يقفون في منتصف الطريق دائمًا — لا في القاع، ولا في القمة — فقط هناك، في المنتصف، حيث لا يُصفّق لك أحد، ولا يراك أحد، ولا حتى نفسك.
و أحيانًا أشعر أنني آلة مكسورة داخل جسد إنسان. كل شيء بي يعمل — لكن لا شيء يُنتج موسيقى. كأن الأسلاك متصلة لكن لا كهرباء، أو كأن قلبي يريد أن ينبض لكنه يحتاج إذنًا من السماء. أتحرك في الحياة ببطء، كما لو كنت أُسحب بخيط رفيع من عتمةٍ ما. وفي كل مرة أحاول فيها أن أبدأ، أن أكون “شيئًا” حقيقيًا، يتعثر بي الطريق، أو أتعثر أنا بنفسي.
هل تعرف ذلك الشعور حين تصنع شيئًا جميلاً ثم تراه ناقصًا؟
حين تكتب جملة فتشعر أن الروح لم تصل؟
حين تطبخ طعامًا لذيذًا لكنك لا تشتهيه؟
حين ترسم وجهًا فتكتشف أنك لم تمنحه الحياة؟
ذلك أنا.
كل ما أفعله يحمل ملامح “القرب” دون “الوصول”.
هناك شيء ناقص فيّ. شيء لا يُرى لكنه يُثقل. ربما هو الإيمان بقدرتي، أو ربما هو الإيمان بجدوى أن أكون. أحسد أولئك الذين يجدون أنفسهم في شيءٍ واحد، يتقنونه كما لو أنه خُلق لهم. أنا، لا أملك شيئًا واحدًا، بل شتاتًا من أشياء كثيرة لا تعرف أين تذهب. أنا خليط من البدايات، لا النهايات. وربما هذا أسوأ ما في الأمر: أن تكون قادرًا على البدء دائمًا، وغير قادر على الإكمال.
مثلًا… في كل مرة أكتب، يخونني شعور الانتماء. الكلمة لا تطيعني، والجملة تبدو مستعارة من كاتب آخر. وفي كل مرة أرسم، تبدو الخطوط غريبة عن يدي. وفي كل مرة أطبخ، أشعر أنني أعدّ وجبة لشخصٍ لا يشبهني. حتى عندما أتكلم، كأنني أردد ما قيل من قبل. كأن كل ما فيّ انعكاس من ضوءٍ لا يخصني. لكن!! ربما هذا هو العذاب الحقيقي — ألا تكون سيئًا بما يكفي لتستسلم، ولا جيدًا بما يكفي لتُكمل. أن تعيش في المسافة الرمادية بين الحلم والخذلان، بين القدرة والشك، بين أن تكون شيئًا أو لا تكون شيئًا على الإطلاق.
الآخرون يرون فيّ شخصًا “يجيد أشياء كثيرة”، وأنا أرى في نفسي “شخصًا لم يصبح شيئًا بعد”. أدرك التفاصيل، أفهم الجمال، أقدّر الفن، أرى الصواب، لكني لا أمارسه كما يجب. كأن بيني وبين الحياة زجاجًا سميكًا — أراها بوضوح، لكن لا أستطيع لمسها. كلما حاولت، انكسر الزجاج وجرحت أصابعي، فعدت إلى مكاني: أراقب بصمت.
ربما لا أحتاج أن أكون بارعة، ربما يكفيني أن أكون صادقة. لكن حتى الصدق أصبح يتعبني. حين أكون صادقة مع نفسي، أعرف أنني ضائعة. وأنا لا أريد أن أكون ضائعة، لكنني لا أعرف كيف أكون موجودة أيضًا. في داخلي ضجيج، وفي الخارج صمت. وفي ما بينهما أنا، المزيج الغريب من القدرة والعجز، من المعرفة والبلادة، من الشغف والبرود. و أحيانًا أقول لنفسي إن هذا ليس عيبًا، بل طبيعة الأرواح التي لا تُختصر في مهنة أو موهبة. لكن في الليالي الطويلة، حين يختفي كل صوت إلا صوت أفكاري، أعرف أني أريد الانتماء. أريد أن أقول: هذا أنا، هذا مكاني، هذا ما أُتقنه. لكن لا شيء يجيب. الكون صامت، وأنا أسمع فقط تنفّسي البطيء وأنا أحاول إقناع نفسي أني بخير.
أجيد كل شيء، لكني لا أنتمي لأي شيء.
وأسوأ أنواع التيه أن تكون قادرًا، لكن بلا وجهة.
أن تملك النور، لكن لا تعرف أين تضعه.
أن تكون كل شيء، ومع ذلك، لا تكون شيئًا.
الفكرة لم تأتِ، بل تسرّبت إليّ خلسةً من بين سطور منشورٍ عابر على التطبيق. لا أدري ما الذي لامس فيَّ شيئًا، أكانت جملةً عادية أم نظرةً بين الحروف أيقظت بي رغبة الكتابة؟ كل ما أعلمه أنّ فكرة المقال لم تُولد من قصد، بل من تلك اللحظة التي شعرت فيها بأن الكلمات نادتني لأكمل ما لم يُقل.




"أن تكون كُل شيء، ومع ذلك لا تكون شيئًا"
نصُّكِ لامسني كلمةً كلمة بل حرفًا حرفًا، اقشعرّ بدني وأنا أستشعِرُ جمالَ شعورِ أن يقول شخصٌ ما في داخلِك، وكأنّ النصَّ كُتِب عنِّي!
سلِمت أنامِلك، وأعاننا الله على هـٰذا الأمرُ الذي لا أعرفُ أهو نِعمةٌ أم نقمة.
اقشعر جسمي لما قرأت، بنفس الشعور، و نفس الاعذار، في كل مرة تنازعني روحي بين أنس البدايات و وحشة الغربة عن كل ما أحب، اجدني ابدا بالتبرير لنفسي "أنا لا أُختزل".
بدأت اقتنع بفكرة أنني لا أُختزل حقًا، فهذه ضريبة تعدد الهوايات والمهارات على كل حال، وليس الذي يعطي وقته كله لإجادة أمر ما والخوض في كل جوانبه، والذي يعطيه فتات الوقت سواء.
نص جميل وتجسيد عميق لمرارة هذا الشعور، أو هذه الميزة.