ليلةٌ أخرى في الزاوية الرمادية
لقد كتبتُ كثيرًا عن الليالي التي أتعثر فيها بأعماقي فلا أجدني، كتبتُ عن تلك اللحظات التي تتساقط فيها رغباتي كأوراقٍ في خريفٍ أبدي، عن اللحظات التي يفقد فيها قلبي القدرة على الاعتراف بما يريد. ومع ذلك، أجدني الليلة أمام الورق مجددًا، أمام العتمة التي لا تنتهي، أكتبها مرة أخرى، كما لو أن الكتابة طقس جنائزي أدفن فيه ما تبقّى منّي. كتبتُ وأنا أعرف مَن سيضع إعجابًا على منشوري، ومَن سيعيد نشره، ومَن سيقرأه ثم يتركه على عتبة ذاكرته كغريبٍ لم يقابله من قبل. أعرف هذا كلّه، ومع ذلك، ها أنا أكتب مرة أخرى عن الليلة التي أنسى فيها اسمي، عن تلك الهوّة السوداء التي أعيشها كمن يسير في أروقة سجنٍ بلا نوافذ. في هذه الليالي، أشعر أنني لستُ أنا؛ بل كائنٌ يكتب عنّي، يستدرجني من أعماق مظلمة، يضع كلماته في فمي ويجعلني أؤمن بها. و أحيانًا أظن أنّي لستُ سوى انعكاسٍ باهتٍ لإنسانٍ آخر كان هنا قبلي. كل جملة أكتبها تبدو كحَفرِ قبرٍ جديد داخل روحي، وكل كلمة أشبه بمسمارٍ يُدقّ في نعش ذاكرتي. أكتب عن هذه الليلة، كما يكتب غريقٌ رسالته الأخيرة وهو يعرف أنّها ستظل في قاع البحر. أكتب عن وجوهٍ كنتُ أعرفها ولم تعد تعرفني، عن أصواتٍ عبرت رأسي ثم انطفأت، عن أحلامٍ مسلوبة وعن ضوءٍ مفقودٍ لا أستطيع اللحاق به. الليل هنا ثقيل كأحجارٍ موضوعة على صدري، والزمن يتقلّص داخلي حتى يصبح شظايا صغيرة تجرحني كلما حاولتُ لملمتها. أكتب الليلة لأنني لا أملك سلاحًا غير الكلمات، لأن الكلمات هي الطاولة الوحيدة التي يمكنني أن أضع عليها رأسي وأبكي دون أن يفضحني أحد. أكتب عن الليلة التي أنسى فيها اسمي، عن الليلة التي تتحول فيها الكتابة إلى نوع من الانتحار البطيء، عن الليلة التي يتآكل فيها وجودي في سطرٍ بعد سطر. وها أنا أكتب، لأُخرج منّي ما بقي منّي قبل أن أضيع إلى الأبد.
في زاوية الغرفة البعيدة، على الكنبة الرمادية التي صارت كأنها امتدادٌ لجسدي المنهك، أجلس منذ ساعات كأني قطعة أثاثٍ مهملة. أمامي شمعة برائحة العسل تحترق ببطء، ودخانها الرقيق يعلو في الهواء كأنفاس آخر من غادرني، يلتف حولي ويغمرني في صمتٍ ثقيلٍ متجمدٍ في صدري منذ زمن. من شدة السكون، كانت دقات الساعة المعلقة على الجدار عالية، كأنها تفرض نفسها على كل شيء، تحاصر اللحظة وتذكرني بأن الوقت لا يرحم. وحين بدأ البرد يعض أطرافي، يتسلل بين أصابعي ينهشني من الداخل. أمد يدي إلى الدرج الصغير، وأخرج منه جوربًا أزرق باهتًا، يشبه سماءً ميتة في يوم شتاء. أما امتحان يوم الخميس، فقد بقي الورق أمامي أبيضًا كالكفن، والكلمات تبدو أحكامًا قضائيةً لا أفهمها. فضلت كتابة مقال ربما لن يفيد على أن أدرس، أو أتحرك بين السطور بلا هدف، عيني تائهة وذهني غائب. أشعر برأسي مشدودًا كوترٍ على حافة الانكسار، أمد يدي إلى شعري وأفكه كما يفعل من يفك حبلًا عن عنقٍ مخنوق، لكن الألم يبقى ساكنًا هناك، يسكن جمجمتي كما يسكن طائرٌ جريح عشًا من شوك. أفتح النافذة قليلًا، فيتسلل الهواء البارد وكأنه يدرك ثقل روحي، يحفر في أضلعي ويقشعر جلدي، ومعه تتسلل أصوات العالم البعيد: انعكاس القمر المكتمل يرتجف فوق بركة ماء كوّنتها أمطار المساء على الإسفلت، كعينٍ واسعة لا ترمش، تحدق بي بكل قسوة الليل، تفضح فراغي وألمي. من الشارع البعيد يصلني عواء الكلاب، صدىً طويلٌ يختلط بصوت أغصان الشجر التي تصرخ بعضها في بعض مع الرياح، أنينٌ قديم متجذر في كل شيء، كأن الليل كله يشارك حزني وخلل روحي. أغمض عيني لأتنفس هذا البرد والظلام معًا، ثم أغلق النافذة وأعود إلى مقعدي، لكن البرودة والأنين والعيون المتلألئة على الماء لا تغادرني، بل تحاصرني في الداخل كما لو أن العالم كله قد أصبح غرفةً واحدة، لا مفر منها، سوى في تنفسٍ يائس. وحين حاولتُ الهروب من كل ذلك، مددت يدي إلى الهاتف، وفتحت تطبيق تيك توك علّني أُغرق نفسي في شيءٍ سريعٍ يقتل الوقت. كان أول مقطع ظهر لي أبياتًا تخرج من فم قارئٍ بصوتٍ عميقٍ كأنها تخاطب هذه الليلة:
وما الحياة سوى حلمٌ ألمّ بنا
قد مر كالحلم ساعات وأيام
هل عشت حقًا يكاد الشك يغلبني
أم كان ما عشته أضغاث أحلام
في مثل غمضة عين وانتباهتها
قد أصبح الطفل شيخًا أبيض الهام
لولا يقيني بربي لا شريك له
لحسبت عمري أحلاما وأوهاما
أتنفس ببطء، أعد الشهيق والزفير، أراقب أصابعي المرتجفة وهي تحاول ترتيب نفسها على الورق. أفكر أنني ربما لم أكتب طوال هذه السنوات إلا لأصل إلى هذه اللحظة بالذات: لحظة أرى فيها كل ما حولي حيًا لكنه خاوٍ، كل ما فيّ متيقظًا لكنه خامد. في هذه الزاوية الصغيرة من العالم، و على الكنبة الرمادية، وسط العسل المحترق ودقات الساعة والبرد الذي ينهشني، أكتشف أن ما أكتبه ليس مقالة، ولا اعترافًا، بل هو بقايا إنسان يحاول أن يتشبث بالحروف، كي لا يذوب في الفراغ، كي لا يصبح اسمه وأيامه محض هواءٍ عابرٍ بين دقات ساعة لا ترحم.


وما ضرَّت الشمس سُحبٌ تمرُّ تحتها! لا تنحني لظلٍّ عابر، ولا تخافُ من الغيم، بل تمرُّ عليه وتعلوه، لا تُثنيها ظلماتُ الدُّنيا، ولا يحجبُ ضوءها دخان، ذلك هو قدرُها.
لم اكتب قط في هذا البرنامج ولكن ها انا اكتب تعليق لابداعك فيما سردته من مقال حقا المقطوعة والكلمات بينهما تناغم وانسجام عرفتِ حقا كيف تجمعين بين القارئ والكتابة هنيَئا لكِ الكلمات المُختاره ليست من فراغ بل هي مُختاره من عالم يضج بالكُتاب والعارفين اعجبني ماكتبتهَ