4:34 عصرًا - 24 يونيو
في مكانٍ ما من هذا العالم، في زاويةٍ لن يلتفت إليها أحد.
لا أعلم لمَ أفتح هذه المفكرة الآن، في هذه الساعة بالذات، ولمن أكتب؟ قد لا يقرأ أحد هذا الهذيان على أي حال، وهذا هو العزاء الوحيد المتبقي. كان اليوم عاديًا بطريقة مرعبة، من تلك الأيام التي تمرّ دون أن تترك خدشًا واحدًا على سطح الذاكرة. بدأ بكل هذا الهدوء الذي يسبق العواصف النفسية العظمى. جلستُ في ركني المعتاد، الطاولة الخشبية الباردة، والستائر نصف المغلقة المزدحمة بضوء النهار الآفل. كان الصمت حوله ثقيلًا، باردًا، وممتدًا كصحراء.
الصوت الوحيد الذي كان يربطني بالواقع هو طقطقة لوح المفاتيح تحت أصابعي؛ نقرات جافة، رتيبة، أشبه بمرسل شفرة “مورس” يحاول يائسًا إرسال إشارة استغاثة لن تصل. ثم انقطع الصوت للحظات وأنا أسكب القهوة في كوبي الفخاري؛ كان لصوت انسكابها الدافئ، المنساب ببطء، إيقاع حميميّ يعيد المرتجف إلى توازنه. نظرتُ من النافذة... الحياة الخارجية هناك تمضي كالمعتاد: ناس يركضون، سيارات تعبر وتترك خلفها هسيس الإطارات على الأسفلت، وبشر يتبادلون أحاديث تافهة لا تعنيني. كل شيء يسير وفق خطة كونية قديمة. كانت هناك أغنية خافتة تنساب من مكان ما، لحن قديم وحزين، يتهادى مع نسيم عابر غافلني ودخل من شق النافذة، يداعب الستارة ويلامس وجهي ببرودة خفيفة.
وفي تلك اللحظة بالذات... سقطت القشرة.
دون مقدمات، اقتحم الغرفة الصخب القديم.
لم يكن اقتحاماً وحشيًا، بل جاء بألفة غريبة، ألفة مرعبة تجعلك تتساءل كيف لشيء صاخب ومؤلم أن يكون بهذا الدفء؟ عاد الضجيج الذي ظننت أنني شُفيت منه؛ ضوضاء الأيام الخوالي، جلبة الوجوه التي غابت، أصوات الضحكات العالية التي كانت تملأ الفراغات قبل أن يستوطنها هذا الصمت الوقور. عادت خيباتي القديمة، وشغفي المقتول، وآمالي الكبرى التي قايضتها بهذا الاستقرار البارد، ليزأروا جميعًا في عقلي في آن واحد. يا لإدانة الوعي! كيف يمكن لشيء مات وانتهى، وتبخر أصحابه في زحام الأرض، أن يملك اليوم كل هذه السلطة ليملأ غرفة صامتة بالضجيج؟ والأغرب من ذلك كله، هو تلك الألفة التي شعرت بها؛ لقد كان صخبًا يمزق الروح، لكنني رحبت به كصديق قديم، لأنني أدركت في تلك اللحظة أن هذا الصخب، برغم وجعه، هو الشيء الوحيد الذي يثبت لي أنني ما زلت كائنًا حيًا، ولم أتحول بعد إلى مجرد جسد يتنفس في هذا العالم الهادئ.
أغلق المفكرة الآن... فالصخب في داخلي بات أعلى من صمت السطور.
2:17 فجرًا - 25 يونيو
مهلًا لم أقم بإغلاق المفكرة كما ظننتم. هناك شيء في يد الإنسان يدفعه للكتابة حين يفيض الضجيج عن سعة قلبه، كأن السطور هي المهرب الوحيد من الانفجار. بعد أن كتبتُ الأسطر السابقة، دخلت أختي إلى الغرفة. لم تطرق الباب، كعادتها، دخلت تبحث عن شاحن هاتفها المفقود. نظرتْ إليّ، إلى فنجان القهوة الذي برد نصفه، وإلى شاشة الحاسوب المضيئة في عتمة الغرفة، وقالت بنبرة عابرة وخالية من أي عمق: “أنتِ تجلسين في الظلام مجدداً؟ سيموت بصرك قبل أن تُنهي كتاباتك هذه”.
لم تجد الشاحن، فغادرت وأغلقت الباب خلفها بقوة أصدرت صريرًا مزعجًا.
كم هو غريب هذا العبور! كانت تريد شيئًا تافهًا كشاحن هاتف، بينما كنت أنا في تلك اللحظة بالذات أغرق في محيط من أصوات الماضي. لم تدرك أنني لست في الظلام وحدي، بل معي أمةٌ كاملة من الذكريات والأشخاص الذين رحلوا. أحيانًا أتساءل: كيف يمكن لمن يعيشون معنا في نفس البيت، ويتقاسمون معنا الجدران والوجبات، ألا يشعروا بالزلازل التي تهدم دواخلنا؟ إننا نعيش في جزر معزولة، ويربطنا فقط خيط رفيع من الواجبات العائلية والمجاملات اليومية.
تذكرتُ فجأة أمرًا مضحكًا ومبكيًا في آن واحد؛ قبل أيام، أرسلت لي صديقة قديمة -أحد أولئك الذين صنعوا ذلك الصخب القديم- رسالة على هاتفي. كانت رسالة تهنئة روتينية بمناسبة دخول السنة الهجرية الجديدة، نُسخت وأُرسلت لمئة شخص غيري. لم أجب عليها حتى الآن. تذكرت كيف كنا نقضي الساعات في نقاشات وجودية حادة حول “الجريمة والعقاب”، وحول ما إذا كان للإنسان الحق في تبرير وسائله للوصول إلى غاياته، واليوم... تحولت علاقتنا إلى نصوص جاهزة تُرسل بنقرة واحدة لرفع العتب. يا للمهزلة! كيف تتقزم المشاعر العظيمة لتصبح مجرد مجاملة باردة؟
بالأمس أيضًا، قرأتُ خبرًا عابرًا أو قد تكون قصة من نسج الخيال في صحيفةٍ ما، عن رجل عاش أربعين عامًا في كوخ معزول في سيبيريا، وحين عثروا عليه وسألوه عن سبب هروبه من العالم، قال: “هربت من ضجيج البشر لأسمع صوت نفسي”. يا له من أحمق! لو علم أن ضجيج النفس أشد فتكًا من ضجيج الميادين لما هرب. فالإنسان لا يستطيع الفرار من محكمته الداخلية، يمكنك أن تختبئ في آخر الأرض، لكنك ستأخذ معك قاضيك وجلادك وضحاياك في حقيبتك الصغيرة.
أعود للوح المفاتيح مجددًا، أطقطق عليها ببرود. النسيم العابر الذي دخل قبل قليل من شق النافذة أصبح الآن باردًا، يحمل معه رائحة تراب جاف، ربما ستمطر صباحًا. أتمنى ذلك، فالإنسان دائمًا يرجو أن تغسل الأمطار أوساخ الأرض، لعله يتوهم أن بإمكانها غسل ما علق بروحِهِ من غبار السنين.
الساعة الآن تتجاوز الثالثة فجرًا. أختي نامت، والحياة الخارجية تخدرت تمامًا، ولم يبقَ في هذا الوجود سوى أنا، وهذا الصخب الذي يرفض أن يغادر، والذي -لشدة غرابة النفس البشرية- بدأت أشعر بالرعب من فكرة أن ينتهي ويتركني مجدداً لهذا الصمت اللعين.
وهذه المره… سأترك المفكرة مفتوحة... ربما يحدث شيء آخر يستحق أن يُدفن هنا.


رااااأئع❤️
جميل ✨🩷